سفر عوبديا - ابونا تيموثاوس ميلاد

 

 

مقدمة عامة

        لا نعرف عن النبي كاتب هذا السفر إلا إسمة العبري الذي معناه " عبد أو خادم يهوه " و تشير محتويات السفر إلى أنه كان من مواطني مملكة يهوذا   (عد 10 , 11-12 , 17 , 21  )

   و قد ذكر في الأسفار التاريخية اثنا عشر شخصا يحملون هـــذا الاسم (فيما عدا هذا النبي) و ليس هناك ما يؤكد انه هو الذي كان على بيت أخآب الملك الذي كان يطعم مائة من رجال الله الذين خبأهم من وجه إيزابل (1مل3:18) كما أنه من المشكوك فيه أن يكون هو رئيس الخمسين الثالثة الذي أرسلة الملك أخزيا لأستدعاء ايليا النبي كما جاء في احد الكتب الغير قانونية .

Ø    نـبوتـه :-

هى أصغر أسفار الأنبياء , و تتركز أساسا على خراب أدوم وقد جاء الأدوميون من نسل عيسو أخى يعقو( تك 25 : 30 ، 36 : 1 ) وسكنوا فى منطقة جبلية من جبل سعير جنوبى فلسطين ، وكانت العداوة بين الأدوميين وبنى اسرائيل , تعود جذورها الى اختلاس يعقوب للبركة من عيسو( تك ص 25 ) ، وإن كانت مؤشراتها قد ظهرت قبل ذلك و هما فى بطن أمهما إذ أنهما تزاحما فى أحشائها ( تك 25 : 12 )

و بدأت العداوة بين الشعبين عندما رفض أدوم السماح لبني إسرائيل بالعبور في أرضة و هم في طريقهم إلى كنعان بقيادة موسى و قد حاربهم شاول (1صم 47:14) و أخضعهم داود (2صم 8: 13-14) و حاولوا رفع راية العصيان في عهد سليمان و لكنهم فشلوا(1مل 14:11-22) و لم يحصلوا على حريتهم إلا في عصر يهورام ملك يهوذا حينما قاموا بالثورة علية سنة 845 ق.م  ( 2مل 8 : 20 – 22 ) وقد ظل النزاع بين الجانبين حتى سقوط أورشليم سنة 586 ق . م . حينما ساعد الأدوميين على سقوطهم كما جاء في (مز137: 7) أذكر يا رب لبني أدوم يوم أورشليم القائلين هدوا هدوا حتى إلى أساسها" و قد جاءت نبوات عن أدوم في (حز 25: 12-14 ، عا 1: 11-12 ،أش34 : 5 ، أر 49: 7 ، مرا 4: 21-22 )

Ø   رسالة هذه النبوة :

(1)يقدم سفر عوبديا درسا هاما و تعليما روحيا و أخلاقيا ساميا إذ أنه يوبخ أدوم على كبريائه و إعتمادة على العوامل الطبيعية و الجغرافية التي تحميه إذ كانت بلادهم مرتفعة و على صخور محصنة .... فيواجههم عوبديا بقوله :

" تكبر قلبك قد خدعك أيها الساكن في محاجي الصخر رفعة مقعدة القائل في قلبة من يحدرني  إلى الأرض  إن كنت ترتفع كالنسر و إن كان عشك موضوعا بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب "(عد3: 4)                                                           و هكذا يقدم عوبديا في نبوتة مثلا لانكسار المتشامخين الذين يتكلون بغرور على أوهام خادعة من قوى باطلة .

(2) و هناك أيضا نقطة أخرى يجب الألتفات اليها و هي أن عوبديا و إن كان تركيز كلامة كان على أدوم , إلا أن نبوته  يمتد مجال تطبيقها على كل الأمم التي تقاوم مشيئة الله و تعمل على الوقوف في وجه مقاصده الالهية فلابد أن تكون النهاية بالنسبة لمثل هذه القوى الطاغية هي الدمار و الهلاك.

(3) و لا تفوتنا الإشارة إلى ما قد يظهر في نبوة عوبديا من مظهر العداوة و البغضة تجاه الأدوميين بسبب موقفهم العدائى و الشائن و مساعدتهم للأعداء ضدهم فهل نستنتج من ذلك أن الله في العهد القديم كان يشجع على الكراهية و البغضه ؟

إن الإجابة هي بالنفي قطعا . فالله في العهد القديم لم يوص بكراهية العدو .

لقد جاء في (خر 23: 4) إذا صادفت ثور عدوك أو حماره شاردا ترده إلية "

و جاء في (ام21:25 )" أن جاع عدوك فأطعمه خبزا و إن عطش فأسقه ماء "  أما جاء على لسان السيد المسيح " سمعتم أنه قيل تحب قريبك و تبغض عدوك " (مت 5: 43) فلعله كان تعليمها من شيوخ اليهود و رؤسائهم و قد أضافوه إلى تقليدهم (انظر " المدخل إلى العهد القديم ")  

   تنقسم الآراء حول تاريخ كتابة سفر عوبديا إلى مجموعتين و يفصل بينهما عام 586 ق.م و هو تاريخ سقوط أورشليم في يد الكلدانيين و سبي يهوذا إلى بابل.

   و يتوقف تحديد تاريخ كتابة السفر على تحديد الغزو الذي تعرضت له أورشليم و فيه أتخذ الأدوميون موقفا عدائيا من يهــوذا و هو الموقف الذي ذكره عوبديا فى  ( عد 11 – 14 ) ، فإن بعض الشراح يعتبرونه أحد الغزوات التى سبقت سبي بابل سنة 586 ق.م بينما يعتبره آخرون هو نفس الغزو الذي صاحب ذلك السبي .

   أما أصحاب الرأي الذي يأخذ بالتاريخ السابق على سنة 586 ق.م فمنهم (J.D.DAVIS –J.H.RAVEN) اللذان رجعا بتاريخ هذا السفر إلى أيام أحاز ملك يهوذا (743 – 728 ق.م ) الذي في عهده أتى الأدوميون و ضربوا يهوذا و سبوا سبيا و أقتحم الفلسطينيون مدن السواحل و جنوبي يهوذا و أخذوا عدة مدن (2 أيام 28: 17-18)                                                                 

ولكن (        )  و آخرون فأنهم يركزون بصفة خاصة على الغزو الذي كان في أيام يهورام (2مل8: 20-22 ،  2 أيام 21: 8-20)

v  و يقدمون الأسباب الأتية تأكيدا لرأيهم :

1_ لم يذكر عوبديا خرابأ للهيكل و لا سيما للشعب بكاملة كما قيل عن سبي سنة 586 ق . م .

2_ أن الأسرى كما ذكر عوبديا قد مضوا بهم إلى "صفارد" (عد 20) التي قيل أنها كانت في أسيا الصغرى أو أسبانيا و لم يمضوا بهم إلى بابل كما حدث في سبي سنة 586 ق.م

3_ لم يذكر عوبديا اسم نبوخذ نصر و لا الكلدانيين الذين جاء ذكرهم في حديث الأنبياء المتأخرين عن سبي سنة 586ق.م

4_ يظهر من كتابات عاموس (سنة 760ق.م ) و أرميا (سنة 627 ق.م ) أنهما اقتبسا من عوبديا الذي سبقهما تاريخيا .

أما الذين ينسبون نبوة عوبديا بعد سنة 586 ق.م فأنهم يستندون على عدم ذكر عوبديا و سفر الملوك لغزو الفلسطينيين و العرب لأورشليم و عدم ذكر أدوم في (2 أيام21: 16) و يرد على ذلك :

- أن عوبديا كان تركيزه على خيانة أدوم لأخيه فلم يذكر الغزاة

- و إن كان سفر الملوك لم يذكر الغزاة فقد ذكرهم سفر أخبار الأيام الثاني (ص 21: 16 )

- و إن كان اسم أدوم لم يرد في (2 أيام 21: 16-17) فأنه أيضا لم يرد الدور الذي لعبته أدوم في سبي سنة 586 ق.م.

 

 

Ø   بين عوبديا و كل من يوئيل و عاموس و أرميا:

يرجع الشراح اقتباس هؤلاء من عوبديا ،  و ستأتي - بمشيئة الله -  الإشارة الى كل من هذه النصوص في التفسير المفصل للسفر .

o     أقسام السفر :

ينقسم السفر الى ثلاثة أقسام رئيسية :     

o      أولا :  الأنباء بدمار أدوم  (عد 1 – 9 ) :

1_ دعوة الأمم لخراب أدوم (عد1، 2)

2_ الخراب عقوبة التجبر و الكبرياء (عد3، 4)

3_ سلب كنوز أدوم (عد 5، 6)

4_ خيانة حلفاء أدوم لها (عد 7)

5_ قتل حكماء و أقوياء أدوم (عد 8، 9)

o      ثانيا : أسباب خراب أدوم (عد 10 - 14) :

1_ ظلمة لأخيه يعقوب (عد 10)

2_ اشتراكه مع الأعداء ضد يعقوب (عد 11)

3_ موقفه الشامت من يعقوب (عد 12)

4_ سلبه غنائم أورشليم (عد 14)

o      ثالثا: يوم الرب للدينونه و إستعادة الماضي (عد 15- 21) :

1_ محاكمة الأمم في يوم الرب (عد 15، 16)

2_ يكون الملك للرب (17، 21)

أولا : الأنباء بدمار أدوم ( عد 1- 9)

1_ دعوة الأمم لخراب أدوم (عد 1، 2)

1رُؤْيَا عُوبَدْيَا: هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ عَنْ أَدُومَ (سَمِعْنَا خَبَراً مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ وَأُرْسِلَ رَسُولٌ بَيْنَ الأُمَمِ: «قُومُوا وَلْنَقُمْ عَلَيْهَا لِلْحَرْبِ»): 2«إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ صَغِيراً بَيْنَ الأُمَمِ. أَنْتَ مُحْتَقَرٌ جِدّاً.

 (عد   1):

كان إعلان الرب لعوبديا بأن سمع النبي خبرا من قبل الرب عن أدوم ، و فيه يقيم الرب رسولا يدعو الأمم أن تقوم للحرب ضدها , فتجاوبه الأمم"لنقم عليها للحرب

(عد   2):

كانت أدوم قد انتفخت بالكبرياء و التجبر , فيواجهها الرب بكونها صغيرة بين الأمم و محتقرة .                                                 لاحظ :

اقتباس أرميا لهذة العبارات كما جاءت في (ص49: 14 -  16)

2- الخراب عقوبة التجبر و الكبرياء (عد3، 4)

3تَكَبُّرُ قَلْبِكَ قَدْ خَدَعَكَ أَيُّهَا السَّاكِنُ فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ رِفْعَةَ مَقْعَدِهِ الْقَائِلُ فِي قَلْبِهِ: مَنْ يُحْدِرُنِي إِلَى الأَرْضِ؟» 4إِنْ كُنْتَ تَرْتَفِعُ كَـالنَّسْرِ وَإِنْ كَانَ عُشُّكَ مَوْضُوعاً بَيْنَ النُّجُومِ فَمِنْ هُنَاكَ أُحْدِرُكَ يَقُولُ الرَّبُّ.

انخدعت أدوم بطبيعة موقعها على الجبال فملأ الغرور قلبها , و لم تدرك إن إستراتيجية موقعها لا ينجيها من انتقام الرب منها .

(عد   3) :

"تكبر قلبك قد خدعك أيها الساكن في محاجئ الصخر"

كانت قبائل أدوم تسكن في "محاجئ" الصخر - و كلمة محاجئ تعني مخابئ أو شقوق و قد وردت في ( نش2: 14  ، ار 49: 16)

و كان سكان هذه الأماكن قبل الأدوميين هم "الحوريون" سكان جبل سعير (تك14: 6 ،تث2: 12 و 22 ) - و هي منطقة جبلية مليئة فعلا بالمغارات و الكهوف . لقد ظن الأدوميون أنهم في حماية هذه الأماكن الحصينة , التي لا تصل إليها جيوش الغزاة أوالأعداء , فتكبرت قلوبهم مخدوعين بمناعة بلادهم .

" رفعة مقعدة "

أي مسكنة المرتفع بين الصخور- و في الترجمة الكاثوليكية " في أوج مثواه"

" القائل في قلبه من يحدرني إلى الأرض ؟"

توهم الأدوميون أن قوتهم لا يمكن التغلب عليها من آخرين و كأنهم بلغة التحدي يفتخرون في مواجهة الآخرين معبرين عما في قلوبهم "من يحدرني إلى الأرض"؟ أو يمكنه إيقاع الهزيمة بي ؟

(عد  4 ):

إن كنت ترتفع كالنسر "

يواجهه الرب منذرا إياه بعدم الاعتماد على قوته فيقول له " إن كانت لك القدرة أن تحلق في أعلى الأجواء كالنسر .. و قد قال الرب لأيوب : أو بأمرك يحلق النسر و يعلى وكره ؟" مشيرا بذلك إلى قوة النسر على الإرتفاع .

" و إن كان عشك موضوعا بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب ":

و لو جعل أدوم مسكنة بين النجوم الشاهقة الارتفاع فإن الرب قادر على إسقاطه

إن هذا القول هو إنذار من الله لكل من تأخذه نشوة الغرور معتمدا على أية قدرات مادية أو معنوية فالرب يسقط الجبابرة و يرفع المتضعين .

2_ سلب كنوز أدوم (عد5، 6)

5إِنْ أَتَاكَ سَارِقُونَ أَوْ لُصُوصُ لَيْلٍ. كَيْفَ هَلَكْتَ. أَفَلاَ يَسْرِقُونَ حَاجَتَهُمْ؟ إِنْ أَتَاكَ قَاطِفُونَ أَفَلاَ يُبْقُونَ خُصَاصَةً؟ 6كَيْفَ فُتِّشَ عِيسُو وَفُحِصَتْ مَخَابِئُهُ؟

 

§       يصف الرب في هذين العددين مقدار الخراب الشامل الذي سيحل بأدوم مقارنا بين ما يحدث في حالات السرقة و في قطف العنب و بين ما كان عتيدا أن يكون لأدوم . فلو أنة تعرض للسلب من سارقين أو لصوص لكان هؤلاء ينهبون ما يحتاجون إلية فقط و يتركون بقية له .

§       و لو كان قاطفو العنب يجمعون المحصول فأنهم _ بحسب ما كان متبعا _ يتركون ما في الزوايا أو يتركون خصاصة أي ما يتبقى في الكرمه بعد القطاف (و كلمة خصاصة تشير إلى الشئ القليل) أما بالنسبة لأدوم فأنة سيتعرض للسلب و النهب بصورة كاملة فلا يتبقى له شئ

*   و كانت "بترا" عاصمة أدوم سوقا عظيمة للبضائع السورية والعربية فتوفرت لها الثروات الضخمة و الكنوز الهائلة و لكنها كانت كلها عتيدة أن يسلبها الناهبون وهكذا يكون الدمار رهيبا ....

(4: 5) خيانة خلفاء أدوم لها و قتل حكماءها وأقوياءها (عد 7- 9)

7طَرَدَكَ إِلَى التُّخُمِ كُلُّ مُعَاهِدِيكَ. خَدَعَكَ وَغَلَبَ عَلَيْكَ مُسَالِمُوكَ. أَهْلُ خُبْزِكَ وَضَعُوا شَرَكاً تَحْتَكَ. لاَ فَهْمَ فِيهِ. 8أَلاَ أُبِيدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ الرَّبُّ الْحُكَمَاءَ مِنْ أَدُومَ وَالْفَهْمَ مِنْ جَبَلِ عِيسُو؟ 9فَيَرْتَاعُ أَبْطَالُكَ يَا تَيْمَانُ لِيَنْقَرِضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَبَلِ عِيسُو بِـالْقَتْلِ.

(عد   7):

كان لأدوم حلفاء من جيرانة الموابيين و العمونيين و العرب الذين آكلوا من خبزه علامة على مواثيق و عهود الصداقة _لكن هؤلاء تخلوا عن مساعدة أدوم في محنته و خانوه و خدعوه _ و صنعوا له شركا تحته و طردوه إلى التخوم

و يرى بعض المفسرين أنة ربما كان أدوم قد أرسل رسلا في طلب المساعدة من أصدقائه و لكن هؤلاء الأصدقاء طردوا الرسل إلى التخوم و يرى أخرون أن المقصود هو مساعدة حلفائه لأعداء أدوم في مطاردته . فلا فهم فى أدوم .

(عد 8، 9 ):

سيبيد الرب الحكماء و الأقوياء من أدوم من سعير جبل عيسو حيث كان يقيم فيرتاع أبطال "تيمان" و لعله القسم الجنوبي من أدوم (عا 1: 12) و ينقرض كل واحد من أدوم بالقتل .

ثانيا : أسباب خراب أدوم (عد10، 14) :

10 مِنْ أَجْلِ ظُلْمِكَ لاخِيكَ يَعْقُوبَ يَغْشَاكَ الْخِزْيُ وَتَنْقَرِضُ إِلَى الأَبَدِ. 11يَوْمَ وَقَفْتَ مُقَابِلَهُ يَوْمَ سَبَتِ الأَعَاجِمُ قُدْرَتَهُ وَدَخَلَتِ الْغُرَبَاءُ أَبْوَابَهُ وَأَلْقُوا قُرْعَةً عَلَى أُورُشَلِيمَ كُنْتَ أَنْتَ أَيْضاً كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. 12وَيَجِبُ أَنْ لاَ تَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ أَخِيكَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَلاَ تَشْمَتَ بِبَنِي يَهُوذَا يَوْمَ هَلاَكِهِمْ وَلاَ تَفْغَرَ فَمَكَ يَوْمَ الضِّيقِ 13وَلاَ تَدْخُلَ بَابَ شَعْبِي يَوْمَ بَلِيَّتِهِمْ وَلاَ تَنْظُرَ أَنْتَ أَيْضاً إِلَى مُصِيبَتِهِ يَوْمَ بَلِيَّتِهِ وَلاَ تَمُدَّ يَداً إِلَى قُدْرَتِهِ يَوْمَ بَلِيَّتِهِ 14وَلاَ تَقِفَ عَلَى الْمَفْرَقِ لِتَقْطَعَ مُنْفَلِتِيهِ وَلاَ تُسَلِّمَ بَقَايَاهُ يَوْمَ الضِّيقِ.

يذكر عوبديا أربعة أسباب لخراب أدوم :

1_ ظلمه لأخيه يعقوب (عد 10)

2_ اشتراكه مع الأعداء ضد يعقوب (عد 11)

3_ موقفه الشامت و المعادي ليعقوب في يوم بليته (عد 12- 13)

4_ وقوفه في وجه المنفلتين من يعقوب ( عد 14)

(عد 10 ) :

10مِنْ أَجْلِ ظُلْمِكَ لأَخِيكَ يَعْقُوبَ يَغْشَاكَ الْخِزْيُ وَتَنْقَرِضُ إِلَى الأَبَدِ.

إتخذ عيسو موقف الظلم ضد أخية يعقوب و لعل ذلك كان بدافع الحقد و الكراهية من جانب عيسو و ذلك بسبب الأمتيازات التي تمتع بها يعقوب و كان الرب قد أوصى بني إسرائيل "لا تكره أدوميا لأنة أخوك" (تث 23: 7) و لكن بني عيسو لم يحتفظوا بروابط الأخوة .... و كان أدوم عتيدا أن يغشاه الخزي في محنته و أن ينقرض فيما بعد و هذا سيأتي التعرض له بعون الله عند الكلام عن تحقيق النبوة

( عد 11 )

11يَوْمَ وَقَفْتَ مُقَابِلَهُ يَوْمَ سَبَتِ الأَعَاجِمُ قُدْرَتَهُ

وقف أدوم مقابل بني إسرائيل موقفا سلبيا و معاديا حينما سبى الغرباء أورشليم و قدرتها أي رجال جيشها.

وَدَخَلَتِ الْغُرَبَاءُ أَبْوَابَهُ

أي غزت الأعداء مدن يهوذا و سلبت و نهبت ما بها

وَأَلْقُوا قُرْعَةً عَلَى أُورُشَلِيمَ

أي قسموا المسبيين و الغنائم فيما بينهم بالقرعة .

كُنْتَ أَنْتَ أَيْضاً كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ

أي أنك اشتركت معهم في السلب و النهب و يستخدم النبي هنا الزمن الماضي تأكيدا للأحداث التى كانت عتيدة أن تكون و هذا الأسلوب يكثر استخدامه في النبوات .

عد (12 ) :

12وَيَجِبُ أَنْ لاَ تَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ أَخِيكَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَلاَ

تَشْمَتَ بِبَنِي يَهُوذَا يَوْمَ هَلاَكِهِمْ وَلاَ تَفْغَرَ فَمَكَ يَوْمَ الضِّيقِ

يوجه عوبديا إلى أدوم ما يجب علية اتخاذه في موقفة من أخيه في يوم ضيقة فلا ينظر إلية كمتفرج و لا يشعر بروح شامتة في بليته و لا يتكلم بشئ متكبرا علية .

(عد 13):

13وَلاَ تَدْخُلَ بَابَ شَعْبِي يَوْمَ بَلِيَّتِهِمْ  

لعل المقصود هنا بالباب مدينة أورشليم عاصمة يهوذا

وَلاَ تَنْظُرَ أَنْتَ أَيْضاً إِلَى مُصِيبَتِهِ يَوْمَ بَلِيَّتِهِ

لا تتخذ الموقف السلبي كمن يتفرج مبتهجا بمصيبة وقعت على خصمه  

وَلاَ تَمُدَّ يَداً إِلَى قُدْرَتِهِ يَوْمَ بَلِيَّتِهِ

لا تمد يدك بالاساءه إلى قدرته أي إلى رجاله المحاربين عنه و ذلك يوم هزيمته.

(عد   14):

14وَلاَ تَقِفَ عَلَى الْمَفْرَقِ لِتَقْطَعَ مُنْفَلِتِيهِ وَلاَ تُسَلِّمَ بَقَايَاهُ يَوْمَ الضِّيقِ

احتل الأدميون بعض المواقع التي مكنتهم من منع المنفلتين (و هم الذين أستطاعوا الهروب من الغزاة و النجاة من الأسر) من مواصلة هروبهم إذ سدوا الطريق أمامهم و سلموهم لأعدائهم و كان ذلك خيانة منهم , و غدرا ببني أخيهم يعقوب .

-------------------------------------------------

بهذه الأسباب و الحقائق التاريخية واجه عوبديا أدوم منذرا بما كان سيحل به من قصاص و عقوبة الخيانة .....

ثالثا: يوم الرب للدينونه (عد 15_ 16 ) :

15فَإِنَّهُ قَرِيبٌ يَوْمُ الرَّبِّ عَلَى كُلِّ الأُمَمِ. كَمَا فَعَلْتَ يُفْعَلُ بِكَ. عَمَلُكَ يَرْتَدُّ عَلَى رَأْسِكَ. 16لأَنَّهُ كَمَا شَرِبْتُمْ عَلَى جَبَلِ قُدْسِي يَشْرَبُ جَمِيعُ الأُمَمِ دَائِماً يَشْرَبُونَ وَيَجْرَعُونَ وَيَكُونُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا.  

(عد   15)

" فأنه قريب يوم الرب على كل الأمم "

يرجح أن المقصود هنا بيوم الرب هو يوم الرب إعلان قوته و نقمته على قوى العالم المضادة لسلطانة و عبادته ممثلة في الأمم بصفة عامة و في أدوم بصفة خاصة . بالنسبة لأدوم يرجح أنة كان يوم سقوطه أمام جيوش نبوخذ نصر بعد سقوط أورشليم بفترة قصيرة . وقد أعلنت فكرة سقوط أمم العالم تمهيدا لقيام ملكوت الله منذ وقت مبكر في العهد القديم و تتابع ذكرها على ألسنة الأنبياء .

 فقد تنبأ بلعام :

" أراه و لكن ليس الآن أبصرة و لكن ليس قريبا . يبرز كوكب من يعقوب فيحطم طرفي موآب و يهلك كل بني الوغي ..... و يتسلط الذي من يعقوب.. " (عد 17:24_ 19 )

و تنبأت حنة أم صموئيل :

" مخاصموا الرب ينكسرون . من السماء يرعد عليهم الرب يدين أقاصي الأرض و يعطي عزا لملكة و يرفع قرن مسيحه (1 صم 2: 10) .

_ و قال داود :

"اسألنى فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك (مز 2: 8)

_و قال يوئيل :

"آه على اليوم لأن اليوم الرب قريب يأتي كخراب من القادر على كل شئ ( 1 : 15 )

_ و قال أيضا:

"أضربوا بالبوق في صهيون صوتوا في جبل قدسي ليرتعد جميع سكان الأرض لأن يوم الرب قادم لأنه قريب " (2: 1)

_ و قال صفنيا :

"قريب يوم الرب العظيم قريب و سريع جدا صوت يوم الرب يصرخ حينئذ الجبار مرا " (1: 14)

" كما فعلت يفعل بك .عملك يرتد على رأسك " :

أن مبدأ الذي تعلنه لنا كلمة الله هو : " فإن الذي يزرعه الإنسان اياه يحصد أيضا (غل 6: 7)

و على هذا المبدأ قال المرنم :" يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا " (مز 137: 8)

و قد جاء في (قض 1: 5 _7) عن أدونى بازق أحد ملوك الكنعانيين حينما أمسكه بنو يهوذا و شمعون و قطعوا أباهم يديه و رجليه قولة " سبعون ملكا مقطوعه أباهم أيديهم و أرجلهم كانوا يلتقطون تحت مائدتي كما فعلت كذلك جازاني الله "

(عد   16) :

16لأَنَّهُ كَمَا شَرِبْتُمْ عَلَى جَبَلِ قُدْسِي يَشْرَبُ جَمِيعُ الأُمَمِ دَائِماً

يرى البعض أن هذا الكلام موجة إلى اليهود بمعنى أنهم كما شربوا (مجازيا) كؤوس الألم من الغزاة هكذا سيشرب (مجازيا) جميع الأمم من كأس غضب الرب و يستند أصحاب هذا الرأي على ما جاء في (أر 5: 15 _29) حيث أمر الرب أرميا أن يأخذ كأس سخط الرب و يسقي جميع الشعوب فسقى أرميا أولا و أورشليم و مدن يهوذا و ملوكها و رؤساءها لجعلها خرابا و دهشا و صفيرا و لعنة .

و لكن يرد على هذا الرأي بأن الكلام في هذا العدد مرتبط بما جاء في العدد السابق الموجة إلى أدوم بأنه سيلاقي عقابا  مماثلا لما فعلة مع يهوذا فيكون المعنى هو كما أن الأدوميين حينما سقطت أورشليم شربوا (حرفيا) و سكروا هم و أصحابهم على جبل قدس الرب محتفلين بانتصارهم بحسب عادة الغزاة الوثنيين هكذا كانوا عتيدين أن يشربوا (مجازيا) من كأس سخط و غضب الرب و يدوم شربهم من كأس هذا الغضب الالهى مع باقي الأمم التي تتخذ نفس موقفهم العدائي من الله .

يَشْرَبُونَ وَيَجْرَعُونَ وَيَكُونُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا.

يشربون و يجرعون (أي يبلعون جرعات مملوءة) بمعنى أن قصاص الله يقع عليهم كاملا و ينتهي بهم الأمر بابادتهم و يصيرون كلا شئ و كأنهم لم يكونوا .

تعقيب:

جاء بالسنن القويم / تفسير عوبديا تعقيبا على ما ذكر أعلاه :

" و لا يخفي أن هذا الكلام لا يوافق تعليم يسوع في العهد الجديد فأنه لا يجب على أتباع المسيح أن ينتقموا من أعدائهم و لا أن يفرحوا بهلاكهم بل أن يحبوهم و يصلوا لأجلهم و لعل النبي رأى في الأدوميين جميع الذين يقاومون الحق في كل جيل و رأى في (يهوذا) الذين يطلبون انتشار الإنجيل و خلاص جميع الناس و انضمامهم إلى ملكوت المسيح و رأى في رؤياه إنتشار الحق و ملاشاه كل أنواع الشرور " .

رابعا : إستعادة الماضي و يكون الملك للرب :

(عد 17_ 21 )

17وَأَمَّا جَبَلُ صِهْيَوْنَ فَتَكُونُ عَلَيْهِ نَجَاةٌ وَيَكُونُ مُقَدَّساً وَيَرِثُ بَيْتُ يَعْقُوبَ مَوَارِيثَهُمْ. 18وَيَكُونُ بَيْتُ يَعْقُوبَ نَاراً وَبَيْتُ يُوسُفَ لَهِيباً وَبَيْتُ عِيسُو قَشّاً فَيُشْعِلُونَهُمْ وَيَأْكُلُونَهُمْ وَلاَ يَكُونُ بَاقٍ مِنْ بَيْتِ عِيسُو لأَنَّ الرَّبَّ تَكَلَّمَ. 19وَيَرِثُ أَهْلُ الْجَنُوبِ جَبَلَ عِيسُو وَأَهْلُ السَّهْلِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَيَرِثُونَ بِلاَدَ أَفْرَايِمَ وَبِلاَدَ السَّامِرَةِ وَيَرِثُ بِنْيَامِينُ جِلْعَادَ. 20وَسَبْيُ هَذَا الْجَيْشِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَرِثُونَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ إِلَى صَرْفَةَ. وَسَبْيُ أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ فِي صَفَارِدَ يَرِثُونَ مُدُنَ الْجَنُوبِ. 21وَيَصْعَدُ مُخَلِّصُونَ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ لِيَدِينُوا جَبَلَ عِيسُو وَيَكُونُ الْمُلْكُ لِلرَّبِّ.

يتحدث عوبديا النبي في هذه الأعداد عن نجاة بيت يعقوب و عودة ازدهار و استعادة ميراثه و امتداد ممتلكاته بينما تقع الدينونه على الأمم الوثنيه .

(عد 17 ):

17وَأَمَّا جَبَلُ صِهْيَوْنَ فَتَكُونُ عَلَيْهِ نَجَاةٌ

لقد تعرض الجبل للتدنيس و العربدة من الأدوميين و الأمم الوثنية الأخرى و لكنة يصبح الأن كرسيا للرب و تكون عليه نجاة للبقية من شعب الله .

وَيَكُونُ مُقَدَّساً

أي أنه لا يتعرض لنجاسة أو تدنيس من الوثنيين .

وَيَرِثُ بَيْتُ يَعْقُوبَ مَوَارِيثَهُمْ

المقصود حرفيا بيت يعقوب يهوذا و بنيامين و لكن بالمفهوم الروحي يقصد بهم المؤمنون في العهد الجديد أي كنيسة المسيح .

أما المواريث فهي كانت بالنسبة لبيت يعقوب ممتلكاتهم التي كانت سابقا في أيام داود و سليمان أما بالنسبة للمؤمنين في العهد الجديد فإن ميراثهم الروحي يمتد إلى كل بقاع العالم التي تمتد إليها رسالة الإنجيل .

. 18وَيَكُونُ بَيْتُ يَعْقُوبَ نَاراً وَبَيْتُ يُوسُفَ لَهِيباً وَبَيْتُ عِيسُو قَشّاً..

 يشير ذكر بيت يعقوب و بيت يوسف إلى عودة إتحاد المملكتين كشعب واحد (أنظر مز 77: 15 ) .

أما النار التي تبيد عيسو فهي تذكرنا بقول السيد المسيح "جئت لألقى نار على الأرض فماذا أريد لو إضطرمت "(لو 12: 49)

إنها نار عمل الروح القدس و كلمة الله التي تحرق أشواك الخطية و هي نار الحب المسيحي التي تحرق كل كراهية و كل بغضة و كل عداوة

(عد    19) :

19وَيَرِثُ أَهْلُ الْجَنُوبِ جَبَلَ عِيسُو وَأَهْلُ السَّهْلِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَيَرِثُونَ بِلاَدَ أَفْرَايِمَ وَبِلاَدَ السَّامِرَةِ وَيَرِثُ بِنْيَامِينُ جِلْعَادَ

يشير هذا العدد إلى إمتداد و إتساع ممتلكات العائدين من السبي و على المدى النبوي البعيد يشير إلى إمتداد ملكوت المسيح إلى أقصاء الأرض .

(عد   20) : 

20وَسَبْيُ هَذَا الْجَيْشِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَرِثُونَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ إِلَى صَرْفَةَ.

يشبه النبي العائدين من السبي بالجيش و ذلك بالنظر إلى كونهم كانوا تحت قيادة مؤيدة بقوة من الله .. و يتنبأ بامتلاكهم الأرض مَن كانوا من الكنعانيين حتى صرفة (التي تقع على مسافة 8 أميال جنوب صيدا ) .

وَسَبْيُ أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ فِي صَفَارِدَ يَرِثُونَ مُدُنَ الْجَنُوبِ

اختلف الآراء بشأن تحديد "صفارد" فقد قيل أنها كانت في أسبانيا (كما في الترجمة الأراميه و كما يقول الربيون و حتى اليوم يسمون اليهود الذين في أسبانيا صفارديين) و ذكرت بسفورو في ترجمة الفولجاتا و افترض "keil" أنها "سبرطة" و يرجح آخرون أنها في بلاد بابل قال "ewald" أنها في شمال فلسطين.

(عد  21):

21وَيَصْعَدُ مُخَلِّصُونَ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ لِيَدِينُوا جَبَلَ عِيسُو وَيَكُونُ الْمُلْكُ لِلرَّبِّ.

المخلصون هنا هم أولئك الذين لعبوا دورا في عودة اليهود من السبي مثل زربابل و عزرا و نحميا الذين قادوا مجموعات كبيرة من الراجعين من بابل و يمكن أيضا أن تنطبق على المكابيين الذين أخضعوا الأدوميين.

و كان هؤلاء المخلصون رموزا للمسيح المخلص الحقيقي الذي وهب الخلاص الكامل لكل من يؤمن به و يذكر هنا "جبل صهيون" الذي يمثل كرسي الرب مقابل "جبل عيسو" الذي يمثل أعداء الرب

و يختتم عوبديا نبوته بقوله " و يكون الملك للرب" _ الأمر الذي تم بمجيء المسيح ملكا على قلوب مؤمنية ملكا روحيا أبديا .

                      متى تمت نبوءة عوبديا بخراب أدوم؟

تمت هذه النبوة على مراحل

1_ فقد بدأ إتمام هذه النبوة على أيدي الكلدانيين (ار  ص49  ،حز ص35)

2_ و في القرن الخامس قبل الميلاد قام الأنباط بطرد الأدوميين من جبلهم سعير

3_ و في القرن الثاني قبل الميلاد استولى المكابيون على المدن التى كان الأدوميون قد أخذوها . و قد أرغمهم يوحنا هركانوس على قبول الختان و إدخالهم ضمن جماعة اليهود.

4_ و أكمل الرومان القضاة على أدوم مع خراب أورشليم سنة 70 م

 

 

"بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ" (سفر المزامير 93: 5)