تاريخ الكنيسة
إن التأريخ لإنشاء كنيسة، سواء أكان ذلك داخل مصرنا الغالية أو خارجها، ما هو إلا تسطير لإرادة الرب ومشيئته فى بناء بيعته على عُمد من إيمان أبنائه وغيرتهم عليها، لأنه « إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون » (مز 127: 1)
ورحلة بناء كنيسة القديس العظيم مارمرقس للأقباط الأرثوذكس بدولة الكويت، والتى بدأت منذ عام 1959 فى عهد المتنيح القديس البابا كيرلس السادس، وما صاحبها من مشاعر محبة وود صادقين من صاحب السمو المرحوم الشيخ/ عبد الله السالم الصباح أمير دولة الكويت رحمه الله، وولى عهده الأمين وحكومته الرشيدة. تلك المشاعر التى تُرجمت إلى أفعال وقرارات وامتدت وتواصلت فى عهد كل حكام الكويت الكرام شاهدة على مؤازرة رب المجد للجهود الجبارة التى بذلها العديد من أبناء الكنيسة الغيورين حتى وصلت الكنيسة إلى ما هى عليه الآن.
وستظل الكنيسة تذكر تلك المشاعر وتلك الجهود داعية لهم بأن يكافئهم الله عن تعب محبتهم ببركة صلوات صاحب القداسة والغبطة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ، وبصلوات شريكه فى الخدمة الرسولية صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا أنطونيوس مطران الكرسى الأورشليمى والشرق الأدنى.
المكتبات
مجموعة ضخمة من الملفات الصوتية والفيديوهات والصور والكتب والكثير ..
المكتبة الصوتية
الاف العظات والقداسات والالحان والترانيم لمجموعة كبيرة من الاباء والمرنمين
مكتبة الصور
اكبر مكتبة من الصور لكنيسة مارمرقس والاباء والزيارات التاريخية والاحتفالات
مكتبة الكتب
مكتبة كاملة من الكتب للاباء تغطي كافة الموضوعات موجودة في صيغة PDF
مكتبة الفيديوهات
مجموعة كبيرة من الفيديوهات الحصرية تشمل قداسات وعظات واحتفالات وزيارات
مكتبة البوربوينت
مكتبة شاملة لكل القداسات والالحان والترانيم والمناسبات الكنسية مع امكانية التحميل بسهولة
مجلة ينبوع المحبة
هى مجلة مطبوعة يصدرها اجتماع ابوسيفين للخريجين وحديثي الزواج وهى موجه للشباب وتحمل موضوعات متنوعة ويمكن تحميلها
السنكسار
اليوم الثاني والعشرون من شهر برمهات المبارك
1- نياحة القديس كيرلس أسقف أورشليم
2- نياحة القديس ميخائيل أسقف نقادة
1- فى مثل هذا اليوم من سنة 386 ميلادية تنيح الأب القديس الأنبا كيرلس أسقف أورشليم، نظراً لعلمه وتقواه ولم يلبث على كرسيه طويلاً حتى حصلت منازعات بينه وبين أكاكيوس أسقف قيصرية نحو من منهما له حق التقدم على الآخر. وكان حجة كيرلس فى ذلك أنه خليفة يعقوب أحد الإثنى عشر رسولاً.
وحدث أن إنتهز أكاككيوس فرصة بيع الأنبا كيرلس لأوانى الكنيسة وتوزيع ثمنها على المعوزين على أثر مجاعة شديدة حصلت فى فلسطين، فبذل الساعي حتى حصل على أمر بنفيه من البلاد. فنفى ولم يستمع أحد لدعواه. وفى سنة 359 م استأنف دعواه أمام مجمع سلوكية، فدعا المجمع أكاكيوس ليسمع منه حجته فلم يحضر فحكم عليه بالعزل، وطلب إعادة كيرلس إلى كرسيه فعاد، ولكنه لم يمكث طويلاً لأن أكاكيوس عاد فأغرى الملك قسطنس بعقد مجمع فى القسطنطينية. وشايعه الأساقفة الأريوسيين فعقد هذا المجمع فى سنة 360م، وأصدر أمر بعزل هذا القديس مرة ثانية.
ولما مات قسطنس وخلف يوليانوس أمر بعودة الأساقفة المنفيين إلى كراسيهم. فعاد هذا القديس إلى كرسيه فى سنة 362م و أخذ يرعى شعبه بأمانة وإستقامة. ولكنه يقاوم الأريوسيين فسعوا إلى الملك فالنز الأريوسى حتى أبطل أمر يوليانوس سلفه، القاضى بعودة الأساقفة المنفيين إلى كراسيهم. وهكذا عزل هذا القديس للمرة الثالثة. فبقى منفياً إلى أن مات فالنز فى سنة 379 م ولما تملك تاؤدوسيوس الكبير وجمع مجمع المئة و الخمسين على مكدونيوس ( وهو المجمع المسكونى الثانى ) حضر فيه هذا الأب، وقام مكدونيوس وسابليوس، وغيرهما من المبتدعين. وقد ألف القديس كتباً وعظات كثيرة مفيدة فى عقائد الإيمان والتقليدات القديمة ثم تنيح بسلام.
صلاته تكون معنا. آمين.
2- وفيه أيضاً تنيَّح الأب الأسقف صاحب الشيخوخة الحسنة والذكر الجميل الأنبا ميخائيل أسقف نقادة.
ومن أمره أنه رُسم أسقفاً على نقادة في 12 مسرى 1391 للشهداء ( 1675م ) بيد البابا متاؤس الرابع البطريرك ال 102. وقد اشترك في سيامة البابا يوأنس السادس عشر البطريرك ال 103 يوم الأحد 9 برمهات 1392 للشهداء ( مارس 1676م ) في كنيسة الشهيد العظيم مرقوريوس أبي سيفين بدرب البحر حارة شنوده بمصر القديمة. وفي أيامه زار نقادة الراهب الدومينيكاني المؤرخ ڤانسلب وتقابل معه. وبعد أن رعى شعبه أحسن رعاية تنيح بسلام.
ولربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.
القراءات اليومية
باكـــر
{ النبـوات }
من سفر التكوين لموسى النبي
( 22 : 1 ـ 18 )
وحدثَ بعدَ هذه الأُمُور أنَّ اللَّهَ امتحنَ إبراهيمَ. وقال لهُ: يا إبراهيمُ يا إبراهيمُ. فقال: هأنذا. فقال خُذ ابنكَ الحبيب الذي تُحبُّه إسحق واذهب به إلي الأرض العالية وقدمهُ لي هُناك مُحرقةً على أحَد الجبال الذي أخبرك به. فقام إبراهيمُ باكراً وأسرج أتانه وأخذَ معه غُلامين وإسحقَ ابنهُ وشقَّق حطباً لمُحرقةٍ وقامَ ومضى. وجاء في اليوم الثَّالث إلى المَوضع الذي قال لهُ اللَّهُ، ورفعَ إبراهيمُ عينيهِ وأبصرَ المكان مِن بعيدٍ. فقال إبراهيمُ لغُلاميهِ اجلسا أنتُما ها هُنا مع الأتان، وأمَّا أنا والفتى فنذهبُ إلى هُناك ومتى سجدنا نعُود إليكُما. وأخذ إبراهيمُ حطبَ المُحرقة ووضعهُ على إسحقَ ابنهِ وأخذ بيده النَّار والسِّكِّين، وذهبا كلاهُما معاً. وقال إسحق لإبراهيم أبيه: يا أبت، فقال لهُ ماذا حدث يا ابني؟ فأجابَ إسحق قائلاً: هُوذا النَّارُ والحطبُ فأين الخرُوفُ الذي يُقدَّم للمُحرقةِ؟ فقالَ إبراهيمُ: أن اللَّه يَرى لهُ خرُوفاً للمُحرقة يا ابني، وانطلقا كلاهُما معاً.
وجاء إلى المكان الذي قالَ لهُ اللَّـهُ وبنى إبراهيم هُناك المذبح ووضع عليهِ الحطب ورَبط إسحقَ ابنهُ ورفعهُ على المذبَح فوقَ الحطَب، ومَدَّ إبراهيمُ يدهُ وأخذَ السِّكِّين ليذبحَ إسحق ابنه. فناداهُ ملاكُ الربِّ مِن السَّماء وقال: إبراهيمُ إبراهيمُ، أمَّا هو فقال: هأنذا. فقال: لا تَمُدَّ يدكَ إلى الغُلام ولا تفعَل بهِ شيئاً، لأنِّي الآن علِمتُ أنَّكَ تخاف اللَّهَ إذ لم تُشفق على ابنكَ الحبيب مِن أجلي. ورفعَ إبراهيمُ عينيهِ ونظرَ وإذا كبشٌ موثقاً بقرنيهِ في شجرة تُدعى سابك. فمضى إبراهيمُ وأخذ الكبشَ ورفعهُ مُحرقةً عِوضاً عن إسحق ابنهِ. ودعا إبراهيمُ اسم ذلك المكان ( الرب نظر )، لكي يُقال اليوم أنَّ الربِّ ظهر على هذا الجَبل.
ثُمَّ أن ملاكُ الرب الإله نادَى إبراهيم مرةً ثانيةً مِن السَّماء قائلاً: أقسمتُ بذاتي قال الربُّ، مِن أجل أنَّكَ فعلتَ هذا الأمر ولم تُشفق على ابنك الحبيب مِن أجلي، بالبركة أُباركُك وأُكثِّرُ نَسلكَ تكثيراً كنُجُوم السَّماء وكالرَّمل الذي على شاطئ البحر، ويرثُ نسلُك مُدن مُضاديك، ويتباركُ بنسلك كُلُّ أُمم الأرض، مِن أجل أنَّكَ سمعتَ لصوتي.
( مجداً للثالوث القدوس )
من سفر إشعياء النبي ( 45 : 11 ـ 17 )
هكذا قال الربُّ الإله قُدُّوسُ إسرائيلَ، صانع الآيات مِن جهة بنيّ وبناتي ومِن أجل عَمل يَدِي أوصُوني. أنا خلقتُ الأرض والبشر عليها، يدايَ نشَرتا السَّمَوات وكُلَّ جُندها أنا أمرتُ. ها أنا أقمتهُ ملكاً للعدل وسأقوِّم جميع طُرُقه، هو يَبني مَدينتي وأسرى شعبي أطلقه بلا ثمن وبلا هديَّةٍ قال ربُّ الجُنُود. هكذا قال ربُّ الجُنُود تَعبُ مِصر وتجارةُ كُوشٍ وأهل سبأ ذوُو القامات يعبرُون إليكِ ويكُونُون لكِ عبيداً، خلفكِ يمشُون، بالقُيُود يمُرُّون ولكِ يسجُدُونَ، ويتضرَّعُون إليكِ قائلين: إنما اللَّه فيكِ وليسَ آخرُ، ليس إلهٌ غيرك.
حقاً إنَّك أنت إلهٌ مُحتجبٌ يا إلهَ إسرائيلَ المُخلِّصَ. لقد خزُوا وخجلُوا كُلُّهُم، مضوا بالخَجل جميع مُضاديك. تجددي لي أيُّتها الجزائر. أمَّا إسرائيلُ فخلص بالربِّ خلاصاً أبدياً، لا يخزون ولا يخجلُون إلى الأبدِ.
( مجداً للثالوث القدوس )
من أمثال سليمان الحكيم ( 9 : 12 ـ 18 )
يا بُنيَّ إن كُنت حكيماً فلنفسك ولأصدقائك، وإن كُنت ساخراً فعليك وحدكَ. الذي يثبُت على الكذب يرعى الرياح، وكمن يطرد طيوراً طائرة. لأنَّهُ ترك طريق كرمه وضيع سبيل عمله، ليسير في طريق ليس فيها ماء، يميل إلى مواضع العطش ولا يجمع بيديه ثمراً.
المرأةُ الجاهلةُ صخَّابةٌ غِرة لا تدري شيئاً. مِن الخجل فتجلس عند باب بيتها على كُرسيٍّ في مشارف المدينةِ لتدعو عابري الطريق المستقيمين في سبلهُم، مَن هو غِر فَليمِل إليَّ، وتقول لكُلُّ فاقد اللب أن الخُبز الخفي يُلذ، والمياهُ المسرُوقةُ حُلوةٌ. وهو لا يدري أنَّ مُقتني الأرض قد هلكُوا عندها وانحدروا إلى أعماق الجحيم لكن أهرب ولا تبطئ في موضعها ولا ترفع عيناك نحوها فتشرب من عين غريبة وتنتقل إلى نهر غريب ابتعد عن المياه الغريبة لكي تحيا زماناً طويلاً وتزيد لك سنو الحياة.
( مجداً للثالوث القدوس )
من سفر أيوب الصديق ( 36 : 1 ـ 33 )
ثُمَّ عاد أليهُو فقال اصْبِرْ عليَّ قليلاً فأُعلمك فإن لي أقوالاً. إني أتخذ علمي مِن بُعدِ وبأعمالي اصنع عدلاً، وعلى الحقيقة فأن أقوالي لا كذب فيها، ولكنك ظلماً تفهم.
فإعلم أن الرب ليس عنده شر، إن اللَّه عظيم، عظيم القدرة والحكمة. لا يستبقى المُنافق ويقضي حق البائسين. لا يصرف طرفه عن الصدِّيق بل مع المُلُوك يُجلسُهُم على الكُرسيِّ أبداً فيرتفعُون. إن أُوثِقُوا بالقُيُود إن أُخِذُوا في حبائل الذِّلِّ ينبئهُم بأعمالهُم ومعاصيهُم لأنَّهُم تجَبَّرُوا لكنه يسمع للبار ويقول أنه رجع عن الظلم. فإن سمعُوا وأطاعُوا قضَوا أيَّامهُم في الطيبات وسنيهم في النِّعَم، أمَّا المُنافقُون فلا ينقذهم لأنَّهُم لا يريدُون معرفة الرب، لأنَّهُ علمهم ولم يطيعُوا لكن مُنافقي القلوب يذخرُون لهُم غضباً، غير مُستغيثين في أسرهم. تمُوت نفسهم في الباطل وبالملائكة تستأصل حياتهم عوضاً عن طردهم ضعيفاً ومسكيناً.
لأنَّهُ يقضي للبائسين ويجتذبك مِن فم العدو إلى رحب لا ضنك فيه وتكُون مائدَتك مملوءة دسماً. والدعوى والقضاء يُمسكانك. أمَّا المُنافقون يكُون عليهم غضب بسبب الهدايا النفاقية التي أخذوها بالظلم، فلا يُزيغك قلبك ( عن الحق )، أحرس ألا تتذمر في شدتك لينقذك مِن المسكنة. لا تشتاقُ إلى اللَّيل الذي يرفعُ شُعُوباً مِن مواضعهم. احذر، أن تتجه إلى الإثم فإنَّكَ لأجل ذلك خلصت مِن البؤس.
هُوذا ( اللَّهُ ) يتعالى بقُدرته، فمَن يُماثلهُ أو مَن يفحص أعمالهُ أو مَن يقُـول لهُ قـد فعلـتَ شراً. اُذكر أن تُعظِّم عملهُ الذي ترنم بهِ الأنام. كُلُّ بشر يراه، والإنسان يُبصرهُ مِن بعيدٍ. إنهُ ( اللَّهُ ) عَظيم القُدرة فوق ما نعلم، وعدد طُرُقه لا تُحصى. قطرات المطر معدُودة لديهِ، ثُمَّ تهطل مطراً مِن السُّحب تفيضها الغيُوم، وتصبها على البشر وابلاً. فهل مَن يفهم كيف انتشار السُّحب، وكيف قصيف مظلَّتهِ. ينشر ( نورهُ ) عليه ويتسربل بغمار البحر. أنَّهُ بذلك يدينُ الشُّعُوب ويرزقهُم طعاماً وافراً. يكسُو كفَّيهِ بالنُّور ويأمُرهُما بتنكيل المُعتدي. ويُخبر حبيبه بهِ، أنه مضني الرب ومغتصبه.
( مجداً للثالوث القدوس )
وأيضاً من سفر أيوب الصديق ( 37 : 1 ـ 24 )
فلذلك ارتعد قلبي وخفقَ مِن مَوضعهِ. اسمعُوا صوتهِ قصف وغضب الرب وخرجت الزَّمزمة مِن فيهِ بسلطانهِ. تحتَ جميع السَّمَوات ونورهُ يبلغ إلى أطراف الأرض. ووراءهُ يُزمجر صوتٌ يُرعدُ بصوت جلالهِ ولا يُدرك ذلك إذا سمع صوتُهُ. يُرعدُ (اللَّه) بصوتهِ عجباً، رسم حداً للبهائم ليعرفُوا مضاجعهُم. مِن الباطن تأتي الآلام، والرياح تأتي من الجبال العالية. وأمَّا المياه فتصيرها العواصف كما أراد. ثُمَّ أنَّهُ يشحن السحاب بالندى ويشق الغمام بنوره، فيطوف مُتقلباً كما يديره ليفعل كُل ما يأمره في معمور الأرض سواءٌ كان للتَّأديب أو إلى أرضهِ أو إلى الرَّحمةِ يُرسلُها.
فاصْغ لهذا يا أيُّوب وقف وتأمَّل عجائب اللَّه. نعلم أنَّ الربِّ قد وضع الأعمال وصنع النُّور مِن الظُّلمة. ويعلم موازنة السحاب وعجائب ذي العلم المحيط، كيفَ تكُـون ثيابُك دفيئة حيـن تسكُـن الأرض مِـن هبُـوب الجنُوب.
ألعلك صفَّحتَ معهُ الفلك وهو صلب كالمرآة المسبُوكةِ. علِّمنا ماذا نقُول لهُ فإنَّنا لا نُحسنُ الكلامَ بسبب الظُّلمةِ. هل ينمي إليهِ كَلامي إذا تكلمت إنه لو تكلَّم بذلك إنسان لمحق إن نوره لا يُنظر إليهِ إذا لمع في الغيُوم، ثُمَّ تمر الريِّح فتقشعها. مِن الشمال يُجلب الذهب. أمَّا اللَّه فبهاؤهُ منيع، إنَّنا لا ندرك القدير الرفيع القُوَّة والقضاء الكثير العدل الذي لا يجور، فلذلك يرهبه الأنام وكل حكيم القلب يهابه.
( مجداً للثالوث القدوس )
سـفر طوبيــا
القسم الأول
من سفر طوبيا ( 1 ، 2 ـ 3 : 1 ـ 6 )
كتابُ طوبيتَ بنُ طوبيلَ بن حنانئيلَ بن أدوئيلَ بن غافالائيلَ مِن نسل أشيلَ مِن سبط نفتاليمَ. ومدينتهُ فوقَ الجليل. فوقَ نحشونَ وراء الطريق المؤدِّي إلى المغرب. ولهُ عن اليسار مدينةُ صيفاتَ. وقد كانَ في جُملةِ الذينَ سُبوا في أيام شلمناصَر ملكِ أشورَ. ولم يتركْ طريقَ الاستقامةِ والحقِّ لأجل السبي. وكانَ يُقسِّمُ على إخوانهِ المسبيِّينَ معه مِن إسرائيلَ ما يُحصِّلهُ كُلَّ يوم. وكانَ هو أشدَّ شُبان قبيلةِ نفتاليمَ. إلاَّ أنَّهُ لمْ يتمرد ولا سعى مُتعوِّجاً ولا سَفِهٍ كفعل بعض الشُبان. ولمَّا كانوا يذهبونَ جميعاً ويسجدُون للعجول الذهبيةِ التي صنَعها يوربَعامُ ملكُ إسرائيلَ كانَ يفرُّ وحده مِن ذلك. وكانَ يَجيءُ إلى أُورشليمَ إلى هيكل الربِّ ويسجدُ فيه للربِّ إلهِ إسرائيلَ. وكان يُقرِّبُ أبكارَه وأعشارَه كُلَّها برغبةٍ. وظل ثلاثَ سنواتٍ يُفرِّقُ أعشارَه جَميعَها على المحتاجينَ والغُرباء. وكانَ يفعلُ هذه الفعالَ وهو حافظٌ لناموس اللَّهِ مُنذُ حداثتهِ. وإذ بلغَ أن صارَ رَجلاً اتخذَ له امرأةً مِن قبيلتهِ اسمُها حَنَّةُ ووُلِدَ لهُ مِنها وُلدٌ سمَّاهُ طوبيا. وعلَّمهُ مِن صغَره أن يتَّقـيَ اللَّـهَ ويبتعدَ مِن كـلِّ خطيةٍ. ولما سُبيَ معَ امرأته وولده وكـلِّ عشيرتهِ إلى مدينةِ نينوى. كان الجميعُ يأكُلُون مِن طعام الوثنيينَ وهو قد حفظَ نفسه ولم يتنجس بذلك. وكان يذكرُ الربَّ بكلِّ قلبهِ فأعطاهُ اللَّهُ نعمةً أمامَ شلمناصَرَ الملكِ. فأكرَمه شلمناصَرَ وأذنَ لهُ أن يذهبَ حيثُما أرادَ ويفعلَ ما شاءَ. فكان يقصدُ كلاً مِن المسبيينَ ويعظُه بأقوال السلام. ولمَّا جاء إلى راجيسَ مدينةِ مادِّي كانَ قد بقى معه مما أنعمَ بهِ عليه الملكُ عشرُ وزَنات فضةٍ. فوجدَ هُناكَ جَمعاً غفيراً مِن جنسه المسبيينَ ومِنهم غافالائيلُ الذي هو مِن قبيلتةِ مُحتاجاً. فأقرضَه العشرَ الوزنات المذكورةَ وأخذَ عليه وثيقةً بها. وبَعد ذلكَ بزمانٍ طويلٍ ماتَ الملكُ شلمناصرُ وتملَّك عوضه ابنهُ سنحاريبُ وكانَ هذا يُبغضُ بَني إسرائيلَ. وكانَ طوبيتُ لم يزلْ كلَّ يوم يَمضي إلى بَني جنسهِ ويُعزِّيهُم جميعاً ويُفرِّقُ ما استطاعَ مِن مالهِ لكُلِّ واحدٍ. فكانَ يُطعمُ الجياعَ ويكسي العُراةَ ويدفنُ الموتى والمقتُولينَ باجتهادٍ. ولمَّا رجعَ الملكُ سنحاريبُ مِن أرض يهوذا هارباً مِن ضربةِ اللَّهِ التي ضربه اللَّهُ بها لأجل ما جدفَ بهِ كانَ مُغتاظاً جداً على بَني إسرائيلَ فقتلَ مِنهم خَلقاً كثيراً وكانَ طوبيتُ يدفنُ أجسادهُم. فأُخبرَ الملكُ بذلك فأمرَ بقتلهِ وسلب جميع أموالهِ. فهربَ طوبيتُ عُرياناً واختبأ هو وابنهُ وامرأتهُ إذ كان مُحبُّوهُ كثيرينَ. وبعدَ خمسةٍ وأربعينَ يوماً قَتلَ الملكَ أولادهُ. فحينئذٍ رجَع طوبيتُ إلى منزله واستردَّ كلَّ ما كانَ فُقدَ لهُ.
وبعدَ ذلك لمَّا كانَ يومُ عيدِ الربِّ صنعَ طوبيتُ في بيتهِ طعاماً جيداً. وقالَ لابنهِ اذهبْ وائْتِ ببعض قَبيلتِنا الخائفي اللَّهَ ليأكُلوا معنا. فلمَّا رجع أخبرهُ أنَّهُ رأى رَجلاً مِن الإسرائيليينَ مَذبوحاً في السُوق فقامَ طوبيتُ وتركَ الطعامَ وذهبَ صائماً بسرعةٍ حتى وصلَ إلى الجثَّةِ. فحمَلها إلى بيتهِ سراً ليدفنها خِفيةً بعدَ غرُوب الشمس. وبعدَ أن خبَّأ الجثَّةَ حضَر مع ضُيوفه فأكلَ خُبزاً بخوفٍ وبكى. مُتـذكِّراً الكلمةَ التي قيلتْ مِن الربِّ بلسان عاموسَ النَّبيّ وهي هذه: " أيَّامُ أعيادكُم تتحولُ بكاءً وعويلاً ". ولمَّا غابتْ الشمسُ ذهبَ ودفنَ الجثةَ. وكانَ أقرباؤهُ يلومونَه بعمله هذا قائلينَ مِن أجل فعلكَ هذا أمر الملكُ بقتلكَ ولم تَخلصْ مِن الموت إلاَّ بالجهدِ وها أنتَ لمْ تَزلْ تَدفنُ الموتى. فكانَ طوبيتُ يخافُ اللَّهَ أكثرَ مما يخافُ مِن الملكِ وكانَ يستسرقُ جثثَ القتلى ويُخبِّئُها في بيتهِ وإذا تَنَصَّفَ اللَّيلُ يذهبُ يَدفنُها. وكانَ يوماً أنهُ قد تِعبَ واَعَيا مِن دفن الجثثِ فجاءَ إلى بيتهِ وألقَى نفسه بجانب حائطٍ مِن حجارةٍ ونامَ. وكانَ هُناكَ وكرٌ للسِّنونو فوقَعَ منهِ قذَرٌ سخنٌ في عينَي طوبيتَ فعميَ. ولمْ يسمحْ اللَّهُ بهذه التجربةِ عليهِ إلاَّ ليجعلهُ مِثالاً بالصبر لمَن يكُونُ بعده كما كانَ لأيُّوبَ الصدِّيق. وكما أنَّهُ مُنذُ صباهُ اتَّقى اللَّهَ وحفظَ وصاياهُ لم يتضجَّر. مِن ضربةِ العَمى التي اتَّفقت لهُ. ولكنَّ قَبلَ ذلك بشكر اللَّهِ. وهكذا استمرَّ شاكراً كُلَّ أيَّام حياتهِ. وكما كانَ أُولئكَ المُلُوكُ أصدقاء أيُّوبَ الصدِّيق يُعيِّرونه. هكذا كانَ كُلُّ عُصبةِ طوبيتَ وأقرباؤه يسخرونَ مِنه ويعيِّرونه بعيشتهِ هذه. قائلينَ أينَ رجاؤكَ الذي كُنتَ لأجلهِ تعملُ الصدقات وتدفنُ الموتى. فكانَ يُجيبهُم قائلاً لا تتكلَّمُوا بهذا. فإننا أبناءُ القديسينَ مُنتظرو الحياةَ التي يُعطي اللَّهُ للذينَ يحفظونَ أمانته أبداً بدون تغيير. وكانت حَنةُ امرأتهُ تعملُ في الحِياكةِ ومِن تعب يديها تأتي بمؤونةٍ حسبما تستطيعُ تحصيلُه. وكانَ يوماً أنَّها حملت جَدياً وأخذتْه إلى المنزل. ولمَّا سمعَ ثُغاءَ الجَدي قالَ انظُروا. فإنْ كانَ سرقةً رُدُّوهُ إلى أصحابهِ فلا يحلُّ لنا أن نَتنجَّسَ أو نأكُل السرقةَ. فأجابته امرأتهُ وقد غَضبتْ مما قاله. قد تبيَّنتُ خيبةَ رجائك وظهرت الآنَ صدقاتُك. وبهذا الكلام ومِثلهِ كانت تُعيِّرهُ.
فتوجَّع طوبيتُ حينئذٍ وتحسَّر وذُرفتْ دُموعهُ وهو يُصلِّي قائلاً. عادلٌ أنـتَ يـاربُّ وجميـعُ أحكـامـكَ عـدلُ وطـرُقك كـلِّهـا رحـمةٌ وصـدقٌ وحـقٌّ.
فاذكرني الآن برحمتك ولا تَنتقمْ منِّي لخطاياي ولا تذكر زلاَّتي ولا زلاَّت آبائي. فإنَّنا ما أطعنا أوامرك فلذلك أسلمتنا للسَّبي والنَّهب والقتل وجعلتنا حديثاً للأُمم وعاراً في كلِّ القبائل التي تشتَّتنا بينهم. وهكذا قد ظهرت الآن عظمةُ عدلكَ لأنَّنا ما عملنا بوصاياكَ ولا سلكنا باستقامةٍ أمام وجهكَ. والآن ياربُّ بحسب رضاكَ اصنع لي وأمُر أن تقبلَ نفسي براحةٍ إذ الموتُ أصلحُ لي مِن الحياة.
القسم الثاني
من سفر طوبيا ( 3 : 7 ـ 23 )
واتَّفق في ذات ذلكَ اليوم أن سارَّةَ ابنةَ رعوئيلَ في مدينةِ ايكفاتيَّا قد أسمَعتها عاراً إحدى جَواري أبيها. وذلك أنها كانت تزوجَتْ بسبعةِ رجال الواحد بعدَ الآخر وكانَ شيطانٌ اسمهُ أزموداوسَ يقتلُ كُلاً مِنهم سريعاً عندَما يدخلُ عَليها. ولمَّا أن سارَّةُ انتهرَت الجاريةَ على ذنبٍ ما أجابتها قائلةً لا يكونُ بعدُ انتظار ذكر ولا أُنثَى مِنكِ على الأرض يا قاتلةَ أَزواجها. أتريدينَ أن تقتُليني كما قتلت سبعةَ رجالٍ. فإذ سمعت سارَّةُ هذا الكلامَ صَعِدت إلى الغرفةِ العُلويَّةِ في بيتها وأقامت ثلاثةَ أيَّام وثلاثَ ليال مِن دون أكلٍ ولا شُربٍ. وكانت تسكُبُ الدُّموع وتُصلي إلى اللَّهِ أن يُخلِّصها مِن هذا العار. وكان في اليوم الثَّالث أنها باركت اللَّهَ عند إتمام صلواتها وقالت. مُباركٌ اسمُك يا إلهُ آبائنا لأنك ترحمُ عند غَضبكَ وفي وقت الشدَّة تغفرُ الخطايا للذين يَدعونك. فإليكَ ياربُّ أُوجِّه وجهي ولنحوكَ أرفعُ عينيَّ.
وأسأُلكَ ياربي أن تُخلصني مِن رباط هذا العار أو تُزيلَني عن وجهِ الأرض. وأنتَ ياربُّ عالمٌ أني ما اشتهيتُ زوجاً قطُّ وقد حفظتُ نفسي نقيةً مِن كُلِّ هوىً. وإني قطُّ لمْ أجعل نفسي بين اللاعبينَ ولا صَحبتُ ذوي الخفَّةِ. ولا أحببتُ أن التصقَ برجل بهواي ولكن بخوفكَ. ولم أكنُ أنا أستحقَّهُم ورُبما لم يكن أحدٌ مِنهم يستحقَّني. وتكونُ بمشيئتكَ قد حفِظتني لزوج آخر. وأحكامُك ليسَت بمشورة إنسانٍ. وهذا هو اليقينُ عند كُلِّ الذين يَعبدونك أنَّ مَن يحيا بتجربةٍ يتتوَّجُ ومَن أحاطت به شدَّةٌ يتخلَّصُ. وإن كانَ للتأديب فيسهلُ عليه أن يرجعَ إلى رحمتكَ. فإنكَ ياربُّ لا ترتضي بهلاكنا وبعدَ الهيجان تجعلُ هُدوءاً عظيماً وبعدَ دُموع البُكاء تفيضُ السرورَ. فليكن اسمُك يا إلهُ إسرائيلَ مُباركاً إلى الأبدِ.
القسم الثالث
من سفر طوبيا ( 3 : 24 ـ 25 ، 4 ، 5 ، 6 : 1 ـ 9 )
فاُستُجيبَتْ حينئذٍ صلاتِهما لدَى مجدِ الإلهِ العَليَّ. فأرسلَ الربَّ ملاكاً طاهراً رافائيلَ ليشفيهما لأن في وقتٍ واحدٍ قُبلت صلواتهما أمامَ اللَّهِ. فلمَّا عَلمَ طوبيتُ أن صلاتَه قد قُبلت طابَ لهُ أن يموتَ ونادَى إلى ابنه طوبيا وقالَ لهُ اسمع يا ولدي كلامي واجعله في قلبكَ كالأساس. إذ أخذَ اللَّهُ نفسي ادفن جسدي والتزم والدَتك جميعَ الأيَّام التي تُحيا بَعدُ. لأنَّهُ واجبٌ عليكَ أن تتذكَّر الأخطارَ العظيمةَ والآلامَ الكثيرة التي احتملتها لأجلك في بطنِها. وحينَ تقضي أجلَها ادفنها بجانبي في قبرٍ واحدٍ. وأمَّا أنت فاحفظ ناموسَ اللَّهِ في قلبكَ كُلَّ أيَّام حياتكَ ولا تمِل إلى خطيةٍ ولا تتجاوز وصايا الربِّ إلهنا. تصدَّق مما لكَ ولا تُحوِّل وجهك عن الفقير فيكُونَ أنَّ اللَّهَ لا يصرفُ وجهه عنكَ. كُن رحوماً حَسبما تستطيعُ. فإن كان مالكَ كثيراً فليكُن ما تُعطي كثيراً أو قليلاً فقليلاً عن طيب قلبٍ. فإنَّهُ يكُون لك كنزُ إحسانٍ ليوم الاحتياج. لأنَّ الصدقات تُنجِّي مِن الخطيِّة والموت. وتُنقذُ النفسَ مِن الذِّهاب إلى الظلمةِ. الصدقةُ تكُونُ لصانِعها هديةٌ مقبولةٌ عِندَ اللَّهِ العليِّ. وأحذر مِن كلِّ زنىً ولا تتَّخذ امرأةً مِن غير جنسكَ. ولا يَتسلطُ التكُبُّرُ على قلبكَ ولا على شفتيكَ لأنه به كان ابتداءُ كُلِّ هلاكٍ. أعط أجرة العامل في وقتهِ ولا تُبقي أُجرةَ أجيركَ عندكَ البتةُ. وكُلُّ ما تكرهُ أن يُفعل بكَ لا تفعلهُ أنتَ بأحد. اشترك مع الجياع والفقراء بأكل خُبزكَ واكس العُراة مِن ثيابكَ. قدِّمْ خُبزكَ وخمرَكَ عند دفن البارِّ ولا تشرب منها ولا تأكُل مع الخطاة. التمس الرأي مِن الحكيم. بارك اللَّه كُلَّ حينٍ واسأله أن يُقوِّم طُرقك فتثبتُ كُلَّ آرائكَ. واعلم يا ولدي أني مُنذُ كُنتُ أنت طفلاً أعطيتُ غافالائيلَ في راجيسَ مدينةِ الماديينَ عشرَ وزنات فضةٍ وأخذتُ عليه وثيقةً بها هي عندي. فتَبصَّرْ كيف يُمكنُكَ أن تذهب إليه وتأخذَ مِنه الوزنات المذكورةَ وتُسلِّمُه الوَثيقةَ. ولا تجزع يا ولدي فإنَّنا وإن كُنَّا نعيشُ عيشَ الفُقراء. فلنا خيراتٌ كثيرةٌ إن كُنَّا نتَّقي اللَّهَ ونحيا بالبرِّ ونبتعدُ عن كُلِّ خطيِّة. حينئذٍ أجاب طوبيا أباهُ قائلاً: إني فاعلٌ كُلَّ ما أمرتني يا أبتاهُ. أمَّا الوزناتُ التي ذكرتَ فلا أعلم كيف يكُونُ استيفائُها إذ أنني لا أعرفُ الرَّجُل وهو لا يعرفُني وأيُّ علامةٍ أجعلُ له وأنا لا أعرفُ طريقاً أسيرُ بها إلى هُناكَ. فقال طوبيتُ يا بني بيدي عليه وثيقةٌ إذا أريته إياها سلَّم المالَ إليكَ حالاً. فالتمس الآنَ إنساناً ثقةً يصحبُكَ تحتَ أجرةٍ وإذ أنا باقٍ حياً اذهب واقتَض مبلغَ الدَّين. فخرجَ طوبيا فوجـدَ شاباً حسناً قائماً مُستَعداً كأنَّهُ على جَناح السَّفر. فسلَّم عليهِ طوبيا غيرُ عالم أنَّهُ ملاكُ اللَّهِ وقالَ لهُ ممن الشابُّ الصَّالحُ؟. فأجابه مِن بني إسرائيلَ. فقال طوبيا وهل تعرفُ طريقاً إلى مدينةِ المادِّيِّين؟ فأجاب الملاكُ أعرفُ إليها طُرقاً عديدةً قد سلكتُها إلى أخينا غافالائيل القاطن في راجيسَ مدينةِ الماديينَ في جبل قَفطانَ. فقالَ طوبيا أسألُك أن تَتصبَّرَ إلى أن أخبرَ أبي بهذه الأُمور. وحينئذٍ دخلَ طوبيا وأخبرَ أباه بكُلِّ ما كان فتعَجَّب مِن ذلك. وطلب أن يدخلَ ذلك الشابُّ إلى حضرته. فدخل الشابُّ وسلَّم عليه وقال ليكُن لك فرحاً دائماً. فقال طوبيتُ كيف يكونُ لي فرحٌ وأنا في الظُّلمةِ ولا أُبصرُ ضوءَ الشمس. فأجاب الشَّابُّ ليكُن قلبُك قوياً فإنك تتعافى قريباً مِن قِبَل اللَّهِ. ثُمَّ قال طوبيتُ هل تقدرُ أن تُوصِّلَ ابني إلى غافالائيلَ في راجيس مدينةِ المادِّيِّين؟ وأنا عند رُجوعِكَ أدفع لك أُجرةً. فقال الملاكُ أنا أُوصلُه وأعودُ به إليك سالماً. فقالَ طوبيتُ أسألُكَ أن تُخبرني مِن أيِّ قبيلةٍ ومِن أيِّ سبطٍ أنتَ؟ فأجابَ الملاكُ رافائيلُ أتسألُ أنت عن جنس الأجير أو عن الأجير. أليس لك الذي يمضي مَعَ ابنكَ. ولكن لئلا يهمُّكَ شيءٌ فأنا عازاريَّاس بنُ حننياس الكبير. فقال طوبيتُ ها أنت مِن بيتٍ كبيرٍ فأسألُك أن لا يَغيظُك أني أردتُ أعرفَ عشيرتكَ. فقالَ الملاكُ أنا أمضي مع ابنكَ وأعودُ به إليك سالماً. فأجابه طوبيتُ قائلاً اذهبا بأمنٍ وليكن اللَّهُ حافظاً لكُما في هذا السفر وملاكهُ برفقتِكما. ولمَّا أعدَّا كُلَّ ما يلزمُهما في السفر ودَّع طوبيا أباه وأُمَّه ومضيا اثناهما معاً. فلمَّا ذهبا طفقت أُمُّ طوبيا تَبكي وتقولُ لأبيه قد أبعدتُ عنا عُكازَ شيخوخَتنا. لا كان أبداً المالُ الذي غرَّبت ابننا لأجلهِ. فإنَّهُ كان يَكفينا أننا مع فقرنا نَحسبُ أنَّ لنا غِنىً عظيماً حينما نُبصرُ ولدَنا. فقال طوبيتُ لا تبكي سالماً ذهب ابنُنا وسالماً يعودُ إلينا وتُبصرُه عيناكِ. فإنِّي أحسبُ أن ملاكَ اللَّهِ الصالحَ في رفقتهِ يُدبِّـرُ كلَّ أعمالهِ فيرجعَ إلينا مُعافىً.
وإذ سمعت هذا الكلامَ تركتْ البكاء وسكتَتْ. وسارَ الملاكُ وطوبيا وكلبهُ يتبعهُ فباتا أولَ منزلةٍ بجانب نهر الدَّجلةِ. وخرجَ طوبيا ليغسلَ رجليهِ فإذا سمكةً كبيرةً قد طلعت إليه كأنها تطلبُ أن تبتلعهُ. فارتعبَ طوبيا ونادَى بصوتٍ عظيم يا مولاي وَثَبَتْ إليَّ سمكةٌ لتبتلعَني. فقالَ لهُ الملاكُ أمسك بها واجذبها إليكَ فأمسكَها وجذَبها إلى الشاطئ وتركَها فصارت تتخبَّط قُدَّامَ رجليه. فقالَ له الملاكُ شُقْ جَوفَ السَّمكةِ واخرج القلبَ والمرارةَ والكبدَ وخَبِّئها معكَ. فإنَّ هذه تنفعُ لأن تكونَ دواءٌ في الضَّرورة. وبعد أن فرغَ مِن ذلك أخذَ لحمَ السَّمكة وشواهُ وملَّحَ مِنه مِقداراً يكفيهُما إلى أن يصلا إلى راجيس مدينةِ المادِّيِّين. وقال طوبيا للملاك أرجوكَ يا أخي عازارياسُ أن تُخبرَني ما هي مَنفعةُ الأشياء التي أمرتني أن أُخبئَها مِن السَّمكةِ. فأجابه الملاكُ قائلاً. أمَّا القلبُ والكبدُ فإنَّكَ إذا أخذت جُزءاً مِنهُما ووضعتُهُ على جمر نارٍ فدخانهُ يطردُ كُلَّ شيطان مِن رَجل أو امرأةٍ ولا يرجعُ إليهُما بعد ذلك أبداً. وأمَّا المرارةُ فإنها إذا كُحِّلَتْ بها الأعينُ الفاقدةُ البصر فتُبرأُ.
القسم الرابع
من سفر طوبيا ( 6 : 10 ـ 22 ، 7 ، 8 ، 9 )
ثُمَّ قالَ طوبيا للملاك أين تُرى نبيتُ هذه الليلةِ. فقال الملاكُ يوجدُ في مكان قريب مِنا رجلٌ مِن قبيلتكَ اسمهُ رعوئيلُ ولهُ ابنةٌ وحيدةٌ اسمُها سارَّةُ. فسأتكلَّمُ مع أبيها ليعطيها لك زوجةً لأنكَ أنت الوحيدُ مِن قَبيلتها وهـي جيـدةٌ وعاقلـةٌ جـدَّاً. ويكونُ إذا تزوجت بابنتهِ أنهُ يجعلُ كُلَّ مالهُ لكَ.
وهكذا يجبُ أن نجعلَ مبيتنا هذه الليلةِ عنده وأنتَ تخطبُ ابنتهُ مِنه فيعطيها لك زوجةً. فقالَ طوبيا سمعتُ أنَّ سبعةَ رجالٍ تزوجوا بها فكانَ شيطانٌ يقتلُ كُلاً مِنهم عند دُخوله عليها فهلكوا جميعاً. فأخافُ أن يتمَّ عليَّ ما جرى على أُولئكَ السبعةِ وأنا ابنٌ وحيدٌ لوالديَّ وهُما في كبر شيخوختهما فأخشى أن أُحدرهُما إلى القبر بالحزن وليس لهما ولدٌ غيري يدفنهُما. فأجابه الملاكُ ألا تذكرُ وصيَّة أبيكَ وقولهَ لك لا تتخذ لك امرأةً مِن غير قبيلتكَ والآن أقبل مِنِّي يا أخي فإنها قد حُفِظتْ لتكونَ زوجةً لك ولا يهمُّك أمرُ الشَّيطان. وأنا أُخبرُكَ مِن هُم الذين يقدرُ عليهم الشَّيطانُ. هُم الذين يتزوَّجونَ بهذه ليُبعدوا اللَّهَ مِن قُلوبهم ويتلذَّذوا بشهواتهم كالفرس والبغل اللذين لا فَهَم لهُما. فَعلَى هؤلاء يقدرُ الشَّيطانُ. وأمَّا أنت إذا تزوجتَ بها ودَخلتَ عليها فتكونُ على ثلاثةِ أيَّام لا تهتمُّ بشيءٍ آخر إلا بالصَّلاة. وفي الليلةِ الأُولى تَحرقُ كبدَ السَّمكةِ وقلبها فينهزمُ الشَّيطانُ مُرتعداً. وفي الليلةِ الثانية تقتربُ مِن امرأتك على ما كان الآباءُ القدِّيسونُ. وفي الليلةِ الثالثةِ تُقبلُ البركةُ بالبنين فيكونَ مِنكما أولادُ السَّلام. وبعدَ الليلةِ الثالثةِ تُعطي البكرُ بخوف الربِّ للتَّبنِّي لا بسبب الزِّنا لتُقبلَ البركةُ بالأولاد في زَرع إبراهيمَ فتعلَّقَ قلبُ طوبيا بسارةَ. حينئذٍ لما سمعَ عنها ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى أكفاتيا.
وسارَ إلى بيت رعوئيل فالتقتهُما سارَّةُ وسلَّمت عليهما. ولمَّا نظر رعوئيلُ إلى طوبيا قالَ لزوجتهِ اُنظري ما أشبهَ هذا الرَّجُلُ بطوبيتَ ابن عمِّي. وبعدَ ذلك قالَ لهُما رعوئيلُ مِن أين أنتما أيها الشابان الأخوان. فقال مِن سبي نينوى مِن قبيلةِ نفتاليمَ. فقالَ لهُما هل تعرفان أخانا طوبيتَ. فقالا نعرفُهُ. وإذ كان قد أكثر مِن الثَّناء عليهِ قال لهُ الملاكُ مُشيراً إلى طوبيا هـذا ابنُ طوبيتَ الذي تذكُره. فرمى نفسُهُ عليهِ رعوئيلُ وقبَّله بدموعٍ وبكى
على عنقهِ. قائلاً: البركةُ تكونُ لكَ يا ابني لأنكَ ابنُ رجُلٍ مِن ذوي الجودَة والخير. ولما سمع بأنَّ طوبيتَ ذهبَ بصرُهُ حزنَ كثيراً وبكى مع امرأتهِ وابنتهِ سارَّة وقبلوا الملاكَ وطوبيا بكُلِّ سرورٍ. وبعدَ ذلكَ أمرَ رعوئيلُ بذبح كبشٍ وأن يُهيئوا طعاماً. فلما سألهُما أن يجلسا على الطَّعام قالَ طوبيا ما أكُلُ اليوم طعاماً هُنا ولا أشربُ إلا أن تُجيب سُؤالي وتعدُني أن تعطيني سارَّةَ ابنتكَ. فلمَّا سمعَ رعوئيلُ هذا الحديثَ خاف لأنَّهُ كان يعلمُ ماذا أصابَ السبعةَ الرجال الذين خطبوا ابنته فخاف أن يصيبه ما أصابهم وفيما هو مُفكرٌ ولم يُجاوب. قالَ لهُ الملاكُ لا تخف مِن أن تُعطيه إياها لأن ابنتك محفوظةٌ لهذا الخائفِ مِن اللَّهِ وكلاهما مَحفوظان مِن اللَّهِ ولأجل هذا ما قدرَ غيرهُ أن يأخذَها. حينئذٍ قال رعوئيلُ لا شكَّ أنَّ اللَّهَ قبلَ صلواتي ودُموعي. وأظنُّ أنَّ مِن أجل ذلكَ هداكُما اللَّهُ إليَّ حتى أنَّ هذه تقترنُ بجنسِها كناموس موسى والآن لا شكَّ أني أُسلِّمُها لك. فأخذَ يدَ ابنتهِ سارَّةَ وسلَّمها إلى يدِ طوبيا قائلاً إلهُ إبراهيمَ وإلهُ إسحقَ وإلهُ يعقوبَ يكونُ معكُما وهو يجمعكُما ويُكمِّل بركته فيكُما وأخذَ قِرطاساً وكتب فيه كتابَ الزيجةِ وختمهُ. وابتدأُوا يأكُلُون شاكرينَ الربِّ. فدعا رعوئيلُ امرأته وأمرها أن تُهيئَ لهُما مضَجعاً آخر وتدخلُ سارَّةُ فيهِ. ففعلت كما أمرها وأدخلتها إلى هُناك وبكت ومسحت دُموعَ ابنتها وقالت لها. ثقي يا بنيَّةُ فإنَّ ربَّ السماء والأرض يمنحُك نعمةً عوض حُزنُكِ هذا فتشجَّعي.
ولمَّا تعشوا دخل عليها الشابُّ. فتذكَّر طُوبيا كلام الملاك وأخرج مِن كيسه الكبدَ والقلبَ وطرحهُ على الجمر ودخَّن بهُما. ولمَّا استنشقَ الشَّيطانُ الرائحةَ هرب إلى بريةِ مِصر الفوقانيَّةِ فربطهُ الملاكُ. ولمَّا اختليا كلاهما نهضَ طوبيا مِن فراشهِ وقال. قومي يا أُختي نُصلِّي للَّهِ اليومَ وغداً وبعد غـد. لأنَّ في هـذه الثلاث ليـالي نقتـرنُ باللَّـهِ وبعـد الليلـةِ الثالثـةِ نكـونُ في زيجتنا فإنَّنا أولادُ القِدِّيسينَ وما نقدرُ أن نتزوجَ مِثل الأُمم الذين لا يعرفونَ اللَّهَ. فقاما كِلاهما وصلَّيا بحرارةٍ لكي يُعطَيا البركةَ. فقالَ طوبيا مُباركٌ هو اللَّهُ إلهُ آبائنا ومُباركٌ اسمُهُ القدوسُ والممجَّدُ إلى الدهور. لك يُباركُ السماويُّون وكلُّ خلائقكَ. أنتَ جبلتَ آدم مِن تراب الأرض وأعطيته حواءَ عوناً له ومِنهما وُلِدَ كُلَّ زرع البشر. أنت قُلتَ ليس بجيِّدٍ أن يكونَ الإنسانُ وحده لكن فلنصنعن له مُعيناً على شبههِ. والآن ياربُّ أنتَ تعلمُ أني ما أخذتُ أُختي هذه زوجةً بسبب لذَّةٍ بل لمحبَّتي للأولاد الذين بهم يتباركُ اسمُكَ إلى دهر الدَّاهرين. وقالَ في نفسهِ آمين. أما سارَّةُ فقالت ارحمنا ياربُّ حتى نشيخ كلانا في عافيةٍ. فلما صار قُربُ صِياح الدِّيك أمر رعوئيلُ غِلمانه أن يأتوا إليهِ فمضوا معه حتى يحفروا قبراً. لأنَّهُ خاف أنهُ يكونُ قد جرى على طوبيا كما جرى على السبعةِ عندَ دُخولهم على ابنته. فلما هيأوا قبراً رجعَ رعوئيلُ إلى امرأتهِ وقال لها. ابعثي إحدَى الجواري حتى تُبصر إن كان ماتَ لندفنه قبل الصباح ولا يعلمُ أحدٌ بذلكَ. فأنفذت إحدى جواريها فلما فتحت البابَ وعبرتْ عليهُما رأتهُما سالمين نائمين معاً. فخرجَت وأعلمتهُما أنَّهُ باقٍ حيُّ فباركَ اللَّهَ رعوئيلُ مع امرأتهِ. قائلاً مُباركٌ أنت يا اللَّهُ بكلِّ بركةٍ قدِّيسةٍ. ولتباركُكَ جميعُ قِديسيكَ وكلُّ مخلوقاتكَ وكلُّ ملائكَتِكَ ومُختاريكَ فليباركوكَ إلى كافَّةِ الأدهار. مُباركٌ أنتَ لأنكَ أبهجتني ولم يُصبني كما ظننتُ لكن حسب رحمتكَ الكثيرة فعلت معنا. مُباركٌ أنتَ لأنك رحمتَ وحيدين فأصنع معهما ياربُّ رحمةً بأن تَتم حياتهُما بعافيةٍ وابتهاجٍ. وللوقت أمر رعوئيلُ غِلمانه أن يملأُوا القبرَ مِن التراب الذي حفروهُ قبل الصباح. ثُمَّ أنه صنع لهما عُرساً أربعة عشر يوماً. وذبح بقرتين سِماناً وأربعةَ كباشٍ وهيَّأ وليمةً لكُلِّ جيرانهم وأصـدقائهـم. واستحـلـفَ رعوئيـلُ طوبيـا أن لا يخـرج مِـن بيتـهِ قبـلَ تمـام الأربعةَ عشرَ يوم العرس. ثُمَّ إنهُ أعطى طوبيا نِصفَ ما كان يملكهُ ليذهبَ به إلى أبيه مُعافىً وأعطاهُ وثيقةً أنَّ النصفَ الباقي بعدَ موتهِ يكونُ لهُ.
ثُمَّ استدعى طوبيا رافائيلَ الذي كان يظُنُّ أنَّهُ إنسانٌ وقال لهُ يا أخي عازارياسُ أسألُك أن تسمعَ كلامي. إنِّي أجعلُ نفسي في عُبوديَّتكَ لأنِّي لستُ مُستأهلاً لتدبيركَ وإحسانِك الذي صنعتَ معي. ولكن أسألُك أن تأخذَ دوابَّ وغِلماناً وتُسافرَ إلى غافالائيلَ في راجيس مدينةِ المادِّيِّين وردَّ لهُ وثيقته وخُذ مِنه الوزنات وأحضره معكَ إلى العُرس. لأنك أنت تعرفُ أنَّ أبي يعُدُّ الأيَّام فإن كنت أبقى زيادةً عليها تحزنُ نفسهُ جداً. وأنت تعرفُ كيف رعوئيلُ حلَّفني أن لا أخرجَ ولا يجوزَ لي أن أخلفَ القسمَ. حينئذٍ أخذَ رافائيلُ مِن غِلمان رعوئيلَ أربعةً وجَملين وسافرَ إلى راجيسَ مدينةَ المادِّيِّين فوجد غافالائيلَ فدفعَ إليه الوثيقةَ واستوفىَ مِنهُ المالَ كلَّهُ. وعرَّفهُ أمرَ طوبيا بنَ طوبيتَ وكلَّ ما تمَّ لهُ وأحضره معه إلى عُرسهِ. فلمَّا دخل إلى بيت رعوئيلَ لقيَ طوبيا مُتَّكئاً فنهضَ قائماً وقبَّلا بعضُهما بعضاً فبكى غافالائيلُ وباركَ اللَّهُ. وقالَ يُباركُ عليكَ الربُّ إلهُ إسرائيلَ لأنَّكَ ابنُ رجُلٍ صالحٍ بارٍّ وخائفِ اللَّهِ ومتصدِّقٍ وقال البركةُ على زوجتكَ وعلى والديكُما. ويهبُ لكما الربُّ أن تُبصرا أُولادكما وأولاد أولادكُما إلى ثلاثةِ وأربعةِ أجيالٍ ويُباركُ نسلكُما إلهُ إسرائيلَ المالكُ إلى دهر الداهرينَ. فلمَّا فرغوا مِن الكلام تقدَّموا جميعُهم إلى الطعام وأكُلُوا مُواظبين العُرس كُلَّه بمخافةِ الربِّ.
القسم الخامس
من سفر طوبيا ( 10 ، 11 )
وأنَّ طوبيا جلسَ إلى هُناك بسبب العُرس وأبوه طوبيتُ كان مَهمُوماً قائلاً لماذا تأخَّر ابني. وبأيِّ سببٍ ظلَّ ممسوكاً لعلَّ غافالائيلَ قد ماتَ وليس أحدٌ يردُّ لهُ الوزنات. وكان حزيناً جداً هو وحَنةُ امرأتهُ وكانا يبكيان كلاهُما لأنه لم يرجع ابنهُما في اليوم المعيَّن لهما. وكانت أُمه تبكي بدموع غزيرةٍ وتقولُ الويلُ لي يا ابني لأيِّ سببٍ أرسلناكَ وتركناكَ يا نورَ عينيَّ وعصا شيخوختنا ورجاءَ نسلنا. لأنَّ هذا كلَّه كان لنا فيك وحدكَ يا ولدي فما كان ينبغي أن نُبعدك عنا. وكان طوبيتُ يقولُ لها أُسكُتي ولا تحزني لأنَّ ابننا في عافيةٍ والرَّجُل الذي أنفذناهُ معه أمينٌ. وهي ما كانت تقدرُ أن تتعزَّى وكانت كلَّ يوم تنهضُ وتنظرُ إلى الطريق التي ذهبا مِنها وكانت تظُنَّ أنَّ ابنها يرجعُ عليها لعلَّه يُمكنُها أن تُبصره على بعدٍ آتياً. وكانت في النهار لا تذوقُ خُبزاً. وفي اللَّيالي تسهرُ نادبةً ابنها طوبيا حتى انتهت الأربعةُ عشرَ يومَ العُرس. ثُمَّ إنَّ رعوئيلُ قال لصهره طوبيا أُمكث هاهنا وأنا أُنفذُ رسولاً إلى طوبيتَ أبيكَ ليخبره بسلامتك. فقال له طوبيا أنا أعلمُ أنَّ والديَّ يعدَّان الأيَّام وتحزنُ أرواحهُما. فأطلب مِنكَ أن تُرسلني إلى أبي. فنهضَ رعوئيلُ وأعطاه سارَّة امرأته ونصفَ ما كان يملكُ مِن مماليكَ ومِن جوارٍ ومِن مواش ومِن إبلٍ ومِن بقرٍ ومِن مالٍ وأرسله سالماً فرحاناً وباركهُ. قائلاً ملاكُ الربِّ القدوسُ يُرافقُكما ويُوصِّلكُما بعافيةٍ. ويمنحكُما إلهُ السَّماء أولاداً وتُبصرهُم عينايَ قبل مَماتي. وأخـذَ معه امرأته ابنتهما وقبَّلاها ووَّدعاهُما ووصَّيا سارَّةَ ابنتهُما قائلين: اكرمي أحماءَكِ لأنهُما بمنزلةِ والديكِ وحبِّي زوجَكِ ودبِّري غِلمانكِ وبيتكِ واجعلي نفسَكِ بلا لوم. وقالت امرأتهُ لطوبيا يا ابني المحبوبُ فليثبِّت أموركَ ربُّ السَّماء ويُعطيني أن أرى لك أولاداً مِن سارة ابنتي لأبتهجَ أمامَ الربِّ وها أني أُسلِّمُك ابنتي فلا تُحزنها. وبعدَ هذا سارَ طوبيا مباركاً اللَّهَ لأنه سهَّل طريقه.
وما زالا سائرين حتى قَرُبا مِن مدينةِ نينوى. فقال الملاكُ يا أخي طوبيا أنتَ تعلمُ في أيِّ حالٍ تركتَ أباكَ. فهل تُريدُ أن نتقدمَ ونسبقَ والجماعةُ مع زوجتك يلحقوننا على مهلٍ والمواشي مَعهُم. فلمَّا اتفقا على ذلك قال رافائيلُ الملاكُ لطوبيا خُذ معكَ مِن مرارة السمكِ لأن لنا بها حاجةٌ فأخذ طوبيا مِن المرارة وسافر والكلبُ وراءهُما. وأما حَنةُ أُم طوبيا فكانت كلَّ يوم تجلسُ في الطريق على رأس الجبل في مَوضع كانت تنظرُ منهُ على بعدٍ. فبينما كانت ذات يوم تنظرُ مِن ذلك الموضع أبصرت مِن بعدٍ فعرفت أن ابنها قادمٌ فأسرعت تُبشِّر زوجَها قائلةً هوذا ابنُك قادمٌ. فقال رافائيلُ لطوبيا عندَما تصلُ إلى بيتكَ مِن ساعتكَ اُسجدُ للربِّ إلهكَ واشكرهُ وتقدَّم إلى أبيكَ وقبِّله. وأطل عينيهِ بالمرارة التي معكَ مِن السَّمكةِ فللوقتِ تنفتحُ عيناهُ ويَرى ضوءَ السَّماء ويفرحُ برؤيتكَ. حينئذٍ سبق الكلبُ الذي كان يتبعهُما في الطريق وكان مِثلُ رسول قد أتى يبشرُ وهو يحرِّك ذيلهُ مُبشراً بالفرح. فقام الوالدُ وهو أعمى وبدأ يجري وهو يتعثَّرُ برجليهِ في مشيهِ فناولَ يده لصبيٍّ يقودُهُ وخرجَ ليلتقي بولده. فبادر إليهِ ابنهُ وقبَّلهُ هو وامرأته. وجعلا يبكيان كلاهُما مِن الفرح. وبعد ما سجدوا للَّهِ وشكروهُ جلسوا. ثُمَّ أخذَ طوبيا مِن مرارة السَّمكةِ التي كانت معهُ وطلَى بها عيني والده. وبعدَ مِقدار نصفِ ساعةٍ صار يخرجُ مِن عينيهِ قِشرةٌ رقيقةٌ مِثلُ التي تكونُ في البيضةِ. فأخذها طوبيا وسحبها مِن عينيهِ فللوقتِ أرتدَّ بصرهُ.
ومجَّدوا اللَّهَ هو وعشيرتُهُ وكلُّ مَن يعرفهُ. وبكى طوبيتُ وقالَ تباركَ اللَّـهُ وتمجَّد اسمُهُ إلى الدهور. وتباركت جميعُ قديسيكَ وملائكتكَ لأنك أدَّبتني ورحمتني وشفيتَني وها أنا أُبصرُ وَلدي طوبيا. وأمَّا سارَّةُ امرأةُ طوبيا فوصَلت بعد أيَّام هي ورفاقُها كلُّهم بالغنم والجمال والمال الكثير الذي لها وزيادة المال الذي كان استوفاهُ مِن غافالائيلَ. فدخلَ طوبيا إلى أبيه فرحاً وحدَّثه بجميع العظائم التي فعلها اللَّهُ معه على يدِ ذلكَ الرَّجُل الذي أخذَه وردَّهُ. فخرج طوبيتُ لملاقاة عرُوس ابنهِ فرحاً وممجِّداً اللَّـهَ إلى باب نينوى فتعجَّبوا الذين نظروهُ سائراً كيفَ أبصرَ. وطوبيتُ نادى أمام جميعهم أن اللَّـه صنعَ معهُ رحمةً. ولما قرُبَ إلى سارة كنَّتهُ باركها قائلاً: بادري مُعافاةً يا ابنتي تباركَ اللَّـهُ الذي أحضرك إلينا. وكان فرحٌ عظيمٌ لجميع الإخوة الذين في نينوى. وجاء أحيورُ وناباطُ نسيبا طوبيتَ إلى بيتهِ وفرحا له بجميع الخيرات التي صنعَها اللَّهُ لهُ. وتجدَّدَ عُرسُ طوبيا بكُلِّ سرورٍ إلى تمام سبعةِ أيام.
القسم السادس
من سفر طوبيا ( 12 ، 13 ، 14 )
حينئذٍ هتفَ طوبيتُ بابنهِ وقال لهُ انظر أُجرةً للرَّجُل الذي أَتى معكَ لتُوفيهِ إياها. فأجابَ طوبيتَ قائلاً: يا أبتاهُ أيُّ أُجرة نُعطيهِ أو بأيِّ شيءٍ نقدرُ أن نُكافئ إحسانهُ. أوصلَني ورجع إلى جانبي بعافيةٍ والمالُ هو استوفاهُ مِن عِند غافالائيلَ وهو حصَّلَ لي هذه الزوجةَ وهو قمعَ عنها الشيطانُ وفرَّحَ والديها وهو خلَّصني مِن السمكةِ حتى لا تبتلعَني. وهو أيضاً أعادَ إليكَ نظركَ وامتلأنا على يده مِن جميع الخيرات فبأيِّ شيءٍ نقدرُ أن نُكافئهُ على هذه الأشياء جميعها. لكن يا أبي أُريدُ مِنكَ أن تسأله هل يرضَى أن يأخُذَ نصفَ الخيرات التي أتينا بها. فقال الشيخُ يستحقُّ هذا. ثُمَّ دَعا طوبيتُ الملاكَ وقالَ لهُ: خُذ نِصفَ الأشياء التي أحضرتُموها واذهب مُعافىً حينئذٍ دَعا الملاكُ اثنيهما خِفيةً وقالَ لهُما: باركا اللَّهَ واعترفا لهُ وأَعطِيا لهُ التعظيمَ واعترفا أمامَ جميع الأحياء بكلِّ ما صنع معكما. صالحٌ هو التَّبريكُ للَّهِ وارتفاع اسمهِ الأعظم وأظهرا بأقوالكُما أعمال اللَّهِ ولا تَتهامَلا بأن تعترفا لهُ. إنَّ سِرَّ الملكِ حَسنٌ أن يُخفيَ أمَّا أعمالَ اللَّهِ فتتمجَّدُ بأن تُظهرَ. اصنعا الصلاحَ فلا يلقاكُما شرٌّ. صالحةٌ هي الصلاةُ مع الصوم والصدقةِ والاستقامةِ. جيدٌ هو القليلُ مع الاستقامةِ أفضلُ مِن الكثير مع الظُّلم. جيِّد هو أن تصنع صدقةً أفضلُ مِن أن تكنزَ ذهباً. لأن الصدقةَ تُنجِّي مِن الموت وهي تُطهِّرُ كُلَّ خطيةٍ. الصانعونَ الصدقات والاستقامةِ يمتلئون حياةً. وأمَّا الفاعلُونَ الخطيةَ والإثمَ فَهُم أعداءُ أنفسهم ومحاربو ذَواتهم. أمَّـا أنا فأُظهـرُ لكُما الصحيـحَ ولا أُخفي عليكُما كلمةً مِـن الحديـثِ المكتوم.
والآن لمَّا كُنتَ تُصلِّي أنت وسارَّةُ كنَّتك أنا قدَّمتُ ذِكرَ صلواتكُما أمامَ الربِّ. وحينما كُنتَ تدفنُ الموتى كذلكَ كُنتُ مُرافقاً لكَ. ولأجل أنكَ مقبولٌ لدى اللَّهِ كانت هذه التجربةِ تمتحنُكَ وإذ كُنتَ لم تَنس اللَّهَ ولم تَفتُرْ عن عمل الصدقات كُنتُ معك. والآنَ أَنفذَني الربُّ حتى أُشفيكَ أنت وكنَّتكَ سارَّةَ. أنا هو رافائيلُ الملاكُ أحدُ السبعةِ الوقوف أمام اللَّـهِ الذين يُقدِّمون صلوات القدِّيسينَ ويجوزونَ عابرينَ أمام مجدِ الربِّ. فلمَّا سمعا هذه الأقوالَ ارتعدا كلاهُما ووقعا على وجوههما لأنهُما خافا. فقالَ لهُما الملاكُ: لا تخافا لأنَّ السلامَ يكونُ لكُما أمامَ اللَّهِ فباركاهُ إلى الدُّهور. لأنك ليس بنعمتي شُفيتَ لكنْ بإرادة إلَهُنا لهذا باركاهُ إلى الأدهار. وجميعُ هذه الأيَّام كُنتما تَلمساني وتنظُراني وما كُنتُ أكلُ ولا أشربُ ولكنْ كُنتُم تنظرون ذلك رؤيةً. والآن اعترفا للَّهِ لأني صاعدٌ إلى الذي أرسلني فاكتُبا جميعَ ما تمَّ لكُما في كتابٍ. فنهضا ولم يعودا ينظرانه أيضاً. واعترفا بأعمال اللَّهِ العظيمةِ والعجيبةِ وكيف ظهرَ لهُما ملاكُ الربِّ.
ففتحَ طوبيتُ الشيخُ فمهُ شاكراً الربَّ وقالَ مُباركٌ اللَّهُ الحيِّ وإلى جميع الدهور مُلكُهُ. لأنه يؤدِّبُ ويرحمُ ويحدرُ إلى الجحيم ويُصعدُ مِنه وليس أحدٌ يفلتُ مِن يده. اعترفوا للربِّ يا بني إسرائيلَ وسبِّحوه أمامَ جميع الأُمم لأنه هو فرَّقنا بينَهم. ارفعوه أمامَ كُلِّ حيِ فإنهُ فرَّقكم بين الأُمم الذين لا يعرفونه حتى تُخبروا بأعاجيبهِ وتُعرِّفوا أن ليس إلهٌ ضابطُ الكلِّ إلاَّ هو. وهو أدَّبنا لأجل ظُلمِنا وآثامنا وأيضاً يرحمنا ويجمعنا مِن بين جميع الأُمم الذين شتَّتنا بينهم. إن كُنتمُ ترجعونَ إليه بكُلِّ قُلوبكم ومِن كُلِّ أنفُسكُم تسيرونَ أمامه بالحقِّ. فحينئذٍ يرجعُ إليكم ولا يصرفُ وجههَ عنكُم وتُعاينونَ جميعَ ما يصنعُ معكمُ وتعترفونَ له بكُلِّ أفواهِكم وتُباركونَ الربَّ إلهَ الاستقامةِ وترفعـونَ مَـلكَ الدُّهـور. أمَّا أنـا فـي أرض سبيي فاعتَـرفُ له وأُظهرُ قُوِّته وعظمتهُ في الأُمم الخاطئةِ. فارجعوا الآن يا خُطاةٌ واصنعوا البرَّ والاستقامةَ أمامَ اللَّـهِ مَن يعلمُ إن كان يقبلكُم ويصنعُ صدقةً معكُم. أمَّا أنا فارفعُ إلهي ونفسي لملكِ السماء وتبتهجُ بعظمته. هللوا جميعُكم وباركوا الربَّ يا جميع مُختاريهِ واعترفوا في أُورُشليمَ. يا أُورُشليمُ المدينةُ المقدسةُ إنَّ الربَّ أدَّبك لأجل أعمال أبنائك وأيضاً سيرجعُ فيرحمُ أبناء الصِّديقينَ. بصلاح اعترفي للربِّ في خيراتكِ وباركي ملكَ الدهور لكي يُعمِّر فيكِ أيضاً مسكنهِ بفرح ويُبهجُ فيكِ المسبيينَ هُناك ويُحبِّبُ فيكِ المساكينَ إلى أجيال الدُّهور. بضوءٍ مُضيءٍ تُضيئينَ وجميعُ أقاصي الأرض يَسجدونَ لكِ. أُممٌ كثيرةٌ يأتونكِ مِن بعيدٍ لأجل اسم الربِّ الإلهِ حاملينَ بأيديهم هدايا يُقدِّمونها لملكِ السماء. يُسبِّحكِ أجيالُ الأجيال ويعطونكِ السُّرور ويسجدونَ للربِّ فيكِ ويحسبونَ بلدك مقدسةً. لأنهم فيكِ يدعونَ الاسمَ العظيمَ. جميعُ الذينَ يُبغضونكِ ملاعينٌ وجميعُ الذين يُحبونكِ ويباركونَ مُباركين إلى الدهر. افرحي وتهللي بأولاد الصديقينَ لأنهم يجتمعونَ ويباركونَ الربَّ إلهَ الصدِّيقينَ. يا لسعادة الذين يُحبونكِ ويفرحونَ بسلامتكِ طوبى للذين حزنوا في كلِّ تعذيبكِ لأنهم يفرحونَ فيكِ مُشاهدينَ كلَّ مجدكِ ويتهللونَ إلى الدهرِّ. فلتباركْ نفسي الربَّ الملكَ الأعظمَ لأنه خلَّص مدينته أُورُشليمَ مِن كلِّ شدائدها. طوبى لي إن بقى مِن ذُرِّيَّتي مَن يُبصرُ نُورَ أُورُشليمَ. لأن أُورُشليمَ ستُبنى بالفيروز والزُّمرُّد وبحجرٍ كريمٍ وكُلُّ أسوارها وأبراجها مِن ذهبٍ نقيٍّ. وجميعُ أسواقها يُبلطونها بحجرٍ مِن سوفيرَ وأبوابُها مِن الياقوت وفي كُلِّ شوارعها يتشكَّلون ويقولونَ هلليلويا. ويُسبِّحونَ قائلينَ تباركَ اللَّهُ الذي رفعها لتكون مملكتُهُ عليها إلى جميع الأدهار. كَمَّلَ طوبيتُ كَلامهُ. وكانَ في سنِّ الثماني والثمانينَ لمَّا فقدَ نُور البصر وبعدَ ثماني سنواتٍ أبصرَ وكان يصنعُ صدقاتٍ كثيرةٍ ودامَ خائفاً الربَّ الإلهَ ومُعترفاً له.
وصار إلى شيخوخةٍ مُتناهيةٍ ودَعا بطوبيا ابنهِ وبالستَّة أولاده وقالَ له يا ولدي خُذ بنيك لأني هُوذا شِختُ وإني ذاهبٌ مِن الحياة. وامض يا ولدي إلى مادِّي لأني مُتحقِّقُ جميع ما تكلَّم يونانُ النبيُّ عن نينوى أنها ستخربُ. وأمّا في مادِّي فتكونُ سلامةٌ نوعاً إلى زمانٍ ما. وأن إخوتنا في الأرض يتشتًّتونَ مِن الأرض الصالحةِ وأُورُشليمَ تكونُ قفرةً وبيتِ اللَّهِ في أُورُشليمَ يُحرقُ ويكونُ خراباً إلى زمانٍ. وأيضاً يرحمهُم اللَّـهُ ويردُّهم إلى الأرض ويبنونَ البيتَ ليسَ كما كان أولاً إلى حين تنتهي أزمنةُ الدَّهر وبعد هذا يرجعونَ مِن السبي ويبنونَ أُورُشليمَ بكرامةٍ ويُبنَى فيها بيتُ اللَّهِ إلى جميع الأجيال بناءً مجيداً كما تكلَّمت عنها الأنبياءُ. ويرجعُ جميعُ الأُمم يخافونَ الربَّ الإلهَ بصدقٍ ويطرحون أصنامهم. جميعُ الأُمم تُباركُ الربَّ. وشعبهُ يعترفُ للَّهِ ويرفعُ الربَّ شعبهُ ويفرحُ كلَّ الذين يُحبِّونَ الربَّ الإلهَ بصدقٍ واستقامةٍ صانعينَ رحمةً مع إخوتنا. والآن يا ولدي امض مِن نينوى لأنه سيكونُ جميعُ ما تكلَّمَ به يونانُ النبيُّ. أمَّا أنتَ فاحفظْ النَّاموسَ والأوامرَ وكُن مُحباً للرَّحمةِ وصدِّيقاً ليكُن لك خيرٌ. وادفنِّي جيداً ووالدتُك معي ولا تبقُوا ساكنينَ بنينوَى. اُنظر يا ولدي إنَّ مَن صنع رحمةً نجا مِن فخِّ الموت الذي أُعِدَّ له. وأمَّا عَمَّانُ فوقع في الفخِّ وهلكَ. والآن يا أولادي انظُروا ماذا تفعلُ الرحمةُ وكيف تُنجِّي الاستقامةُ. وبينما هو قائلٌ لهم هذا أسلمَ روحهُ على فراشهِ وكان إذ ذاك عُمرهُ مائةً وثماني وخمسين سنةً فدفنهُ باحترام. ولما ماتت حَنةُ أُمهُ دفنها بجانب أبيه. ثُمَّ ذهبَ مع امرأتهِ وأولاده إلى اكفاتيا عِندَ رعوئيلَ حَميِّهِ. وشاخَ بكرامةٍ ودَفنَ أَحماءهُ بتمجيدٍ وورثَ كلَّ موجوداتهم وموجودات أبيه طوبيتَ. وماتَ في اكفاتيا مدينةِ مادِّي. وسمعَ قَبلَ مماتهِ هلاكَ نينوَى التي سباها بختنصرُ واحشويروشُ وفرحَ قَبلَ موتهِ لأجل نينوَى.
( مجداً للثالوث الأقدس )
مزمور باكر
من مزامير أبينا داود النبي ( 51 : 7 ، 8 )
تَنضحُ عليَّ بزوفكَ فأطهُرَ، وتغسِلْني فَأَبْيَضَّ أفضلَ مِنَ الثلج. تُسمِعْني سُرُوراً وفرَحاً، فتَبتَهِجَ العظام المتواضعة. هللويا
إنجيل باكر
إنجيل معلمنا يوحنا البشير ( 3 : 14 ـ 21 )
وكما رَفعَ موسى الحيَّةَ في البَرِّيَّةِ هكذا يَنبغي أن يُرفَعَ ابنُ الإنسانِ، لكي ينال كُلُّ مَن يؤمنُ بهِ حياة أبديِّة. لأنَّهُ هكذا أحبَّ اللَّهُ العالمَ حتَّى بذلَ ابنهُ الوحيدَ، لكي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يؤمنُ بهِ، بلْ ينال الحياةُ الأبديِّةُ. فإنَّهُ لم يُرسِل اللَّهُ ابنهُ إلى العالم ليَدينَ العالمَ، بلْ ليَخلُصَ بهِ العالمُ. مَنْ آمن بهِ فلا يُدانُ، ومن لا يُؤمنُ بهِ فقد دِينَ، لأنَّهُ لم يؤمنْ بِاسم ابنِ اللَّهِ الوحيدِ الجنس. وهذه هيَ الدِّينونةُ: إنَّ النُّورَ قد جاءَ إلى العالمِ، والنَّاسُ أحبوا الظُّلمةَ أكثرَ من النُّورِ، لأنَّ أعمالهُم كانت شرِّيرةً. لأنَّ كُلَّ مَن يعملُ الشرَّ يُبغِضُ النُّورَ، ولا يقبل إلى النُّورِ، لئلاَّ تبكت أعمالُهُ. لأنَّها شرِّيرةٌ. وأمَّا مَنْ يعملُ الحقَّ فيُقبِلُ إلى النُّورِ، لكي تظهرَ أعمالُهُ أنَّها باللَّهِ معمولةٌ ".
( والمجد للَّـه دائماً )
القــداس
البولس من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس
( 10 : 1 ـ 13 )
لستُ أُريدُ أن تجهلُوا أيُّها الإخوةُ أن آباءنا جميعهُم كانُوا تحت السَّحابةِ، وجميعهُمُ اجتازُوا، وجميعهُمُ اعتمدُوا لموسى في السَّحابةِ في البحر، وجميعهُم أكلُوا طعاماً واحداً رُوحياً، وجميعهُم شربُوا شراباً واحداً لأنَّهُم كانُوا يشربُون مِن صخرةٍ روحيةٍ تابعتهُم، والصَّخرةُ كانت المسيح. لكن بأكثرهِم لم يُسرَّ اللَّهُ، لأنَّهُم طُرحُوا في القفر. وهذه صارت لنا مثالاً، لئلا نكُون مُشتهين شرُوراً كما اشتهَى أُولئك. ولا نكُون عابدي أوثانٍ كما كان أُناسٌ مِنهُم، كما هُو مكتُوبٌ: " جلسَ الشَّعبُ للأكل والشُّرب، ثُمَّ قامُوا للعب ". ولا نزن كما زنى قُوم مِنهُم، فسقطَ في يوم واحدٍ ثلاثةٌ وعشرُون ألفاً. ولا نُجرِّب المسيح كما جرَّبه أيضاً قُومٌ مِنهُم فهلكُوا مِن الحيَّات. ولا نتذمَّر كما تذمَّر أيضاً قومٌ مِنهُم فهلكُوا مِن المُهلكُ. فهذه الأُمُورُ جميعُها صارت مثالاً، وكُتبت لتعليمنا نحنُ الذين انتهت إلينا أواخرُ الدُّهُور. فلذلك مَن يظُنُّ أنَّهُ قائمٌ، فليحذر ألاَّ يسقُط. لم تُصبكُم تجربةٌ إلاَّ بشريَّةٌ. لكنَّ اللَّهَ أمينٌ، الذي لا يدعُكُم تُجرَّبُون فوق ما تستطيعُون، بل يعضدكم مع التَّجربةِ، لتستطيعُوا أن تحتملُوا إلى أن تخرجُوا مِنها.
( نعمة اللَّـه الآب فلتحل على أرواحنا يا آبائي وإخوتي. آمين. )
الكاثوليكون من رسالة يوحنا الرسول الأولى
( 2 : 12 ـ 17 )
أكتبُ إليكُم أيُّها الأبناء لأنَّهُ قد غُفِرتْ لكُمُ خطاياكُمْ مِنْ أجلِ اسمهِ. أكتُبُ إليكُمُ أيُّها الآباءُ لأنَّكُمْ قد عَرَفتُمُ الذي هُو مِن البدءِ. أكتُبُ إليكُمْ أيُّها الأحداثُ لأنَّكُمْ قد غَلبتُمُ الشِّرِّيرَ. كتبتُ إليكُم أيُّها الفتيانُ لأنَّكُمْ قد عَرَفتُمُ الآبَ. قد كَتبتُ إليكُم أيُّها الآباءُ لأنَّكُمْ قد عرَفتم الذي هُو مِنَ البدءِ. قد كَتبتُ إليكُم أيُّها الأحداثُ لأنَّكُمْ أقوياءُ، وكلِمةُ اللَّهِ ثابتةٌ فيكُمْ، وقد غَلبتُمُ الشِّرِّيرَ.
لا تحبُّوا العالمَ ولا الأشياءَ التي في العالمِ. إن أحَبَّ أحدٌ العالمَ فليست فيه مَحبَّةُ الآبِ. لأنَّ كُلَّ ما في العالمِ هُو: شهوةَ الجسدِ، وشهوةَ العُيونِ، وتَعظُّمَ المعيشةِ، ليسَ مِن الآبِ بل مِنْ العالمِ. والعالمُ يَمضي وشهوتُهُ، أمَّا الذي يَصنعُ مشيئةَ اللَّهِ فيثبُتُ إلى الأبدِ.
( لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التى في العالم، لأن العالم يزول وشهوته معه،
وأمَّا من يعمل بمشيئة اللَّـه فإنَّه يبقى إلى الأبد. )
الإبركسيس فصل من أعمال آبائنا الرسل الأطهار
( 8 : 9 ـ 17 )
وكانَ قبلاً في المدينةِ رجُلٌ اسمُهُ سيمونُ، يستعملُ السِّحرَ ويُدهشُ شعبَ السَّامرة، قائلاً إنني عظيمٌ!. وكان الجميعُ يتبعُونهُ مِن صغيرهم إلى كبيرهم قائلين: " هذه هي قُوَّةُ اللَّـهِ التي تُدعى العظيمة ". وكانوا يصغُون إليهِ كلهُم لكونهم قد اندهشُوا زماناً طويلاً بأسحاره. لكن لمَّا صدَّقُوا فيلُبُّس إذ بشرهُم بملكوت اللَّـهِ واسم يسوع المسيح، اعتمدُوا رجالاً ونساءً. وسيمُونُ أيضاً نفسُهُ آمن واعتمد وكان مُلازماً لفيلُبُّس، وإذا رأى الآيات والقُوَّات العظيمة تُجرى اندهش.
ولمَّا سمعَ الرُّسُلُ الذين في أُورُشليمَ أنَّ أهل السَّامرةَ قد قبلُوا كلمة اللَّـهِ، أرسلُوا إليهم بطرس ويوحنَّا، اللذين لمَّا نزلا وصلَّيا لأجلهم لكي ينالوا الرُّوح القُدُس، لأنَّهُ لم يكُن قد حلَّ بعدُ على أحدٍ مِنهُم، غير أنَّهُم كانُوا قد اعتمدُوا بِاسم الربِّ يسوع. حينئذٍ وضعا أيديهُما عليهم فنالُوا الرُّوح القُدُس.
( لم تَزَلْ كَلِمَةُ الربِّ تَنمُو وتكثر وتَعتَز وتَثبت، في بيعة اللَّـه المُقدَّسة. آمين. )
مزمور القداس
من مزامير أبينا داود النبي (34 : 4,5 )
تقدَّمُوا إليهِ واستنيرُوا، ووُجُوهكُم لا تُخزَى. طلبتُ إلى الرَّبِّ فاستجابَ لي. هللويا
إنجيل القداس
إنجيل معلمنا يوحنا البشير ( 3 : 1 ـ 13 )
وكان رجلٌ مِن الفرِّيسيِّين اسمُهُ نيقُوديمُوسُ، رئيسٌ لليهُود. هذا جاء إلى يسُوع ليلاً وقالَ لهُ: " يا مُعَلِّمُ، نعلمُ أنَّكَ أتيت مِن اللَّـهِ مُعلِّماً، لأنه ليس أحدٌ يقدرُ أن يعملَ هذه الآيات التي تعملها ما لم يكُن اللَّـهُ معهُ ". أجابَ يسوعُ وقالَ لهُ: " الحقَّ الحقَّ أقولُ لكَ: إن لم يُولدُ الإنسان مِن فَوق فلا يقدرُ أن يُعاين ملكُوت اللَّـهِ ". فقال لهُ نيقُوديمُوسُ: " كيفَ يُمكنُ أن يُولد إنسان مرةً ثانيةً بعد أن يصير شيخاً؟ هل يُمكنُ أن يدخُل بطنَ أُمِّهِ مرةً ثانيةً ويُولد؟ ". أجابَ يسوعُ وقال لهُ: " الحقَّ الحقَّ أقُولُ لكَ: إن لم يُولدُ الإنسان مِن الماء والرُّوح فلا يقدرُ أن يدخُل ملكُوت اللَّـهِ. المَولُودُ مِن الجسدِ جسدٌ هو، والمَولُودُ مِن الرُّوح هو رُوحٌ. لا تتعجَّب لأنِّي قُلتُ لكَ: أنه ينبغي أن تُولدُ مرةً ثانيةً. الرِّيحُ يهبُّ حيث يشاء، وتسمعُ صوته، لكن لا تعلمُ مِن أين يأتي ولا إلى أين يذهبُ، هكذا كُلُّ مولُودُ مِن الرُّوح ".
أجابَ نيقُوديمُوسُ وقالَ لهُ: " كيف يُمكنُ أن يكُون هذا؟ ". أجابَ يسوعُ وقال لهُ: " أنتَ مُعلِّمُ إسرائيلَ ولا تعلمُ هذا! الحقَّ الحقَّ أقُولُ لكَ: إن الذي نعرفه نتكلَّمُ بهِ، والذي نراهُ نشهدُ بهِ، ولستُم تقبلُون شهادتنا. إن كُنتُ قد قُلتُ لكُمُ الأرضيَّات ولم تُؤمنُوا، فكيف إن قُلتُ لكُمُ السَّماويَّات تُؤمنُون؟ ولم يصعد أحدٌ إلى السَّماء إلاَّ الذي نزلَ مِن السَّماء، ابنُ الإنسان الكائن هُو في السَّماء ".
( والمجد للَّـه دائماً )
"حَجَزْتَ كُلَّ رِجْزِكَ. رَجَعْتَ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ" (سفر المزامير 85: 3)