التحدي الإيماني - لنيافة الانبا موسى

 

 مقدمة

 

يموج العالم، هذه الأيام، بتحديات كثيرة للإيمان المسيحي وهذا الأمر ليس بجديد على المسيحية، فمنذ القرن الأول ظهرت هرطقات، وحاول اليهود والوثنيون وأد المسيحية في مهدها، لكن دون جدوى.. وهذه بعض أمثلة:

 

1- هرطقة الغنوسيين:

 

 الذين نادوا أن خلاص الإنسان يكون بالعقل والمعرفة العقلانية، دون الحاجة إلى مخلص، حتى أن بعضهم تصور أن السيد المسيح كان مجرد إنسان، يحلّ عليه روح عليا من أن إلى أخر، بينما أثبت الرب ألوهيته حتى وهو على الصليب مقيماً الموتى.

 

2- هرطقة الدوسيتيين:

 

 الذين تصوروا أن جسد المسيح كان خيالياً أو أثيرياً، بينما أكد الرب كمال ناسوته حينما جاع، ونام، وتعب من السير، وعطش، وتألم من الجلدات، وإكليل الشوك، والمسامير.

 

3- هرطقة عبادة الملائكة:

 

 إذ تصور البعض أن الله لا يمكن أن يتحد بناسوت، ويحل بيننا، وكأن الطبيعة البشرية ليست مقدسة، ولا من صنع الله، الذي أودع في الإنسان روحاً عاقلة خالدة، متحدة بجسد ترابي، سيتغير إلى جسد نوراني في القيامة. قال أصحاب هذه الهرطقة أن الله خلق ملائكة عظاماً، ثم أقل درجة، فأقل ثم أقل، إلى أن تجسد أحدهم في شخص المسيح.. ونسوا أن السيد المسيح أثبت قدرته اللاهوتية طوال أيام تجسده، حينما تحدى الطبيعة، فمشى على الماء، وانتهر الرياح والأمواج، وكشف الأفكار، وتنبأ عن المستقبل، وأظهر سلطانه على الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان، في المرض، وفى الموت، وحينما أظهر قوته على الشيطان، الذي كان يرتعب لمجرد رؤيته.

 

4- هرطقة التهود:

 وهذه كانت محاولة ارتداد إلى أركان اليهودية القديمة، كالهيكل والأعياد والمواسم والفرائض والغسلات وأنواع الأطعمة، تلك التي حررنا منها الرب يسوع، حينما جعل الإنسان فوق السبت، ورفع عنا حكم الموت، وأعطانا أمجاد المسيحية في: هيكل روحاني، وذبيحة غير دموية، وأعياد مقدسة، وعهد جديد، وكهنوت أكمل، وأبدية سعيدة.

 

5- هرطقة الابيقوريين:

 

عباد اللذة، وأصحاب المبدأ الشهير: "نأكل ونشرب لأننا غداً نموت"، وكأن الإنسان كالحيوان، بلا روح عاقلة، ولا ضمير، ولا خلود، وكأن نفسه في دمه، ينتهي بالموت الجسدي، دون مستقبل أبدى لروحه العاقلة، وجسده الذي سيقوم.

 

6- هرطقة الصدوقيين:

 

 الذين أنكروا الملائكة والأرواح والقيامة، بينما يوبخهم رب المجد قائلاً: "أما إن الموتى يقومون، فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة، كما يقول: الرب إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب، وليس هو إله أموات بل إله أحياء، لأن الجميع عنده أحياء" (لو 20: 27-40).

 

7- هرطقة قمع الجسد:

 

 وفيها يتصور الإنسان أن قهر الجسد وإضعافه حتى إلى درجة الخلل والمرض، هو طريق الخلاص، وينسى هؤلاء أن "الجسد ليس للزنا بل للرب، والرب للجسد" (1كو 13:6)، وأن الإنسان بينما "يقمع جسده ويستعبده" (1كو 27:9)، فهو يضبط هذا الجسد، دون أن يبغض، بل هو "يقوته ويربيه" (أف 29:5).

 

هذه مجرد أمثلة من القرن الأول، جاءت بعدها أمثلة كثيرة وخطيرة، وشهيرة، مثل:

 هرطقة آريوس.. ضد الله الابن.

 هرطقة مقدونيوس.. ضد الله الروح.

 هرطقة نسطور.. ضد اتحاد اللاهوت بالناسوت، ووالدة الإله.

 هرطقة سابليوس.. الذي تصور أن الله أقنوم واحد.

 

وهرطقات أخرى كثيرة، ظهرت عبر التاريخ، فتصدت لها الكنيسة الساهرة، ودحضتها بالفكر الإنجيلي، وأقوال الآباء والفهم اللاهوتي السليم.

 

وفى هذا العصر أيضاً نسمع عن هرطقات أخرى كثيرة، تطعن فى الإيمان المسيحي مثل:

 شهود يهوه.. البدعة الصهيونية المضادة للإيمان المسيحي.

 الأدفنتست.. الذين ساروا وراء السيدة هوايت، ونسوا إنجيل المسيح، وطعنوا في ألوهيته، متأثرين باليهودية.

 العصر الجديد..New age movement المتشبهين بالهندوسية.

 الماركسية.. التي تعبدت للمادة، واعتبرت أن الدين هو أفيون الشعوب.

 الوجودية الملحدة.. التي تعبدت للذات، واعتبرت أن هذا الوجود بلا معنى، وأن الجحيم هم الآخرون.

 العبثية.. التي لم تفهم للوجود معنى، فعاشت في ظلام الجهالة واللامعنى والإحساس بالضياع.

 

 

وسوف يستمر الإنسان، مقوداً بالشيطان، مفرزاً المزيد من الهرطقات والانحرافات، ليس أقلها ما نراه اليوم وهو "عبادة الشيطان"، والهجمات ضد الكتاب المقدس وألوهية السيد المسيح وتجسده وفدائه.

لهذا تصلى الكنيسة فى كل قداس قائلة:

"عبادة الأوثان بالكمال أقلعها من العالم. الشيطان وكل قواته الشريرة، اسحقهم وأذلهم تحت أقدامنا سريعاً. الشكوك وفاعلوها أبطلهم، ولينقض افتراق فساد البدع. أعداء كنيستك المقدسة يا رب، مثل كل زمان والآن أذلهم، حل تعاظمهم، عرفهم ضعفهم سريعاً أبطل حسدهم، وسعايتهم، وجنونهم، وشرهم، ونميمتهم التي يصنعونها فينا. يارب أجعلهم كلهم كلا شئ، وبدد مشورتهم يا الله الذي بدد مشورة أخيتوفل" (القداس الباسليى - أوشية الاجتماعات).

 

كيفية المواجهة :

 

إن هذه الأفكار والهرطقات ستصل إلينا وإلى الأجيال الصاعدة من خلال الكتب، ووسائل الإعلام، وشبكة الانترنيت ولهذا نحتاج إلى ما يلي:

 

1- الفهم السليم للإيمان المسيحي :

 

فالمسيحية ديانة روحانية متسامية حتى إلى الخلود واللانهاية ، ولكنها ليست ضد العقل. إنها "فوق" العقل ولكنها ليست "ضد" العقل... فالعقل محدود، لا يدرك الأمور الإلهية والسمائية والأبدية إلا في حدود بسيطة، فيأتي الإيمان، النور الإلهي، صوت الله داخل الإنسان، الضمير الحي، التأمل في الطبيعة وجلالها وجمالها، والقوانين التي في الكون، ودقتها المذهلة.. يأتي الإيمان لينير العقل، ويمتد به إلى اللانهائيات، والروحانيات، إلى الله!!

إن الإيمان والعقل، مثل التلسكوب والعين المجردة، فالعين المجردة ترى الأفلاك في حدود، ولكنها لو أضافت إلى قوتها قوة التلسكوب، سترى الأمور البعيدة بوضوح أكثر.

فلا العين تستغني عن التلسكوب، ولا التلسكوب يستغنى عن العين. كذلك العقل المحدود لا يستغنى عن الإيمان، الذي يصل بنا إلى اللامحدود. الإيمان - إذن - هو "فوق" العقل ، وليس "ضد" العقل. لهذا يقول الرسول: "بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله" (عب 3:11)، الإيمان يساعدنا على الفهم، ويريح العقل، وينيره.

 

2- المعايشة الفعلية للإيمان الحي :

 

كما يقول معلمنا يعقوب الرسول: "أرنى إيمانك بدون أعمالك، وأنا أريك بأعمالي إيماني" (يع 18:2). فالإيمان ليس مجرد أفكار ومعلومات ونظريات، مهما كانت سليمة وثابتة، ولكنه حياة يومية معاشة، لأنه "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله، يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازى الذين يطلبونه" (عب 6:11).

الإيمان قوة دافعة متحركة حية، تجعل الإنسان:

 

 ينتصر على الخطيئة مع يوسف الصديق، الذي أحسّ بوجود الله في حياته، ويشبع روحياً مع السامرية، التي آمنت بالرب أنه المسيا المخلص، ويخدم مع الرسل، الذين فتنوا المسكونة في سنوات قليلة، وبشروا بالمسيح في جميع الأمم، ويتحمل كل الآلام، إذ يحسبها

شركة بسيطة مع الرب الفادى، ويتجه نحو الخلود، معتبراً كل ما في العالم نفاية، حتى "يربح المسيح، ويوجد فيه" (في 3: 8،9)، إنه الإيمان الحي، العامل بالمحبة.

 

3- تسليم الإيمان للأجيال :

 

يجب أن نسلم الإيمان للأجيال القادمة، ليس فقط كمفردات وحقائق وعقيدة، ولكن كحياة يومية، وسلوك عملي. فحين يرانا أبناؤنا نصلى يصلون مثلنا، وحين نلجأ أمامهم إلى الرب في المشاكل والضيقات يتعلمون منا، وحينما ندقق في سلوكنا وأفكارنا وحواسنا ومشاعرنا وتصرفاتنا، متخذين من الرب يسوع مثالاً لنا، ومن القديسين أضواءً للطريق، يسيرون وراءنا في نفس الطريق، ليعيشوا مع الرب الذي قال لنا: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14). المسيحية تعليم.. ولكنها أيضاً

تسليم. ومن يعلم دون أن يسلم يقدم نظريات تنتهي إلى لا شئ.. أما "من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات" (مت 19:5).

 

4- تأصيل الإيمان ضد الهرطقات :

 

حتى لا يكون الشباب مثل ريشة في مهب الريح، لأنهم إذا عرفوا المسيح، وعاشوا معه، وأحسّوا بقوته، واختبروه في حياتهم: إلهاً ومخلصاً وفادياً، يستطيعون مواجهة أعتي الهجمات، القادمة من البشر، أو وسائل الإعلام، أو الكتب، أو شبكات الاتصال، واثقين في مسيحهم، ومتيقنين من مسيحيتهم، شباعى بإنجيلهم. وقديماً قال فولتير: إن الإنجيل سينتهي، والمسيحية ستضيع خلال بضعة عقود.. ومات فولتير، وتحول بيته إلى دار لنشر الكتاب المقدس.

يحتاج شبابنا إلى تأصيل روحي اختباري في المسيح، كما يحتاجون إلى فهم وشرح لأمور اللاهوت والإيمان، فما أقربها لعقل مستنير!!

 

لهذا يجب أن نقدم لهم موضوعات حول:

 

- وجود الله الواحد

- الثالوث القدوس

- ألوهية السيد المسيح

- التجسد

- الفداء

- ألوهية الروح القدس

- عصمة الكتاب المقدس... الخ.

 

لكي يتقوى إيمانهم بهذه الحقائق الجوهرية، ويصمدوا أمام أية محاولات تهاجم هذه الأساسيات الراسخة.

 

نشكر الله من أجل ما أعطانا في هذا الجيل من دراسات لاهوتية، وفروع للاكليريكية، ومعهد الدراسات القبطية، وخدمة التربية الكنسية... ونشكره من أجل النهضة الفكرية الواضحة فى هذا العصر، من خلال كتابات قداسة البابا شنودة الثالث وأحبار الكنيسة والآباء الكهنة والأخوة الخدام وها هي آلاف الكتب، وملايين النسخ، تنتشر في كل مكان لكي تشرح أمور الإيمان المسيحي، وتسلمه للأجيال كاملاً غير منقوص، وتحميه من كل بدعة أو هرطقة.

علينا فقط أن نعيش هذا الإيمان فعلاً، لكي نسلمه بأمانة لأجيالنا، ليشبعوا بمسيحنا الحي، ومسيحيتنا المقدسة.

لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله ، وأهلك نفسه أو خسرها