اليوم السادس والعشرون من شهر برمهات المبارك
1- نياحة القديسة براكسية العذراء
2- نياحة البابا بطرس السادس البطريرك المائة والرابع
1- فى مثل هذا اليوم تنيحت القديسة الطوباوية براكسية العذراء. وهذه كانت إبنة لوالدين من عظماء مدينة رومية . ومن عائلة الملك أنوريوس. وعند نياحة والدها أوصى الملك بها.
وإتفق أن أتت والدتها إلى مصر لتحصيل أجرة الأملاك والبساتين التى تركها لها زوجها ، فأحضرت إبنتها معها وكان عمرها وقتئذ تسع سنين . ونزلتا بأحد أديرة العذارى . وكان راهبات ذلك الدير على غاية النسك والتقشف . فلا يأكلن المأكولات الدسمة ولا زيتاً ولا فاكهة ، ولا يذقن خمراً وينمن على الأرض.
فأحبت هذه الصبية الدير ، وإستـأنست بالخادمة التى فيه. فقالت لها الخادمة:"عاهدينى أنك لا تتركين هذا الدير". فعاهدتها على ذلك . ولما أنهت والدتها عملها الذى كانت قد أتت لأجله ، إمتنعت إبنتها عن العودة معها قائلة :"إنى قد نذرت نفسى للمسيح، ولا حاجة بى إلى هذا العالم ، لأن عريسى الحقيقى هو السيد المسيح " فلما عرفت والدتها ذلك منها وزعت كل مالها على المساكين ، وأقامت معها فى الدير عدة سنين ، ثم تنيحت بسلام.
وسمع أنوريوس هذا الخبر فأرسل يطلبها . فأجابته قائلة بأنها نذرت نفسها للسيد المسيح ، ولا تقدر أن تخلف نذرها ، فتعجب الملك من تقواها على صغر سنها وتركها
أما هى فسارت سيرة فاضلة ، وتعبدت تعبداً زائداً ، فكانت تصوم يومين يومين ثم ثلاثة فأربعة فأسبوعاً . وفى صوم الأربعين لم تكن تأكل شيئاً مطبوخاً فحسدها الشيطان وضربها فى رجلها ضربة آلمتها زماناً طويلاً . إلى أن تحنن الرب عليها وشفاها . وقد أنعم الرب عليها بموهبة شفاء المرضى . وكان محبوبة من الأخوات والأم الرئيسة لطاعتها العظيمة لهن.
وفى إحدى الليالى رأت الرئيسة أكاليل معدة. فسألت لمن هذه؟ فقيل لها :"لإبنتك بركسية وهى ستجىء إلينا بعد قليل ". وقصت الأم الرؤيا على الأخوات ، وأوصتهن ألا يعلمن براكسية بها . ولما حانت أيامها لتترك هذا العالم إعترتها حمى بسيطة ، فإجتمع عندها الأم والأخوات والخادمة وطلبن منها أن تذكرهن أمام العرش الإلهى ، ثم تنيحت بسلام.
ثم تنيحت بعدها الخادمة صديقتها ، وبعدها بقليل مرضت الأم فجمعت الأخوات وقالت لهن :"تدبرن فى من تقمنها عليكن لأنى ذاهبة إلى الرب ". وفى صباح اليوم التالى إفتقدنها فوجدن أنها قد تنيحت.
بركة صلواتها فلتكن معنا. آمين.
2- وفى مثل هذا اليوم تعيد الكنيسة تذكار نياحة البابا بطرس السادس البطريرك 104 فى سنة 1442ش (2 أبريل 1726 م) . وكان هذا الأب الطوباوى والملاك الروحانى إبناً لأبوين مسيحيين طاهرين من المدينة المحبة لله أسيوط. فربياه أحسن تربية ، وثقفاه بالعلوم والآداب الكنسية حتى برع فيها . وكان إسمه مرجان ، ولكنه إشتهر بإسم بطرس الأسيوطى فيما بعد .
وكانت نعمة الله حالة عليه من صغره ، فلما بلغ أشد زهد العالم وكل ما فيه وإشتاق إلى سيرة الرهبنة ، فمضى إلى دير القديس العظيم أنطونيوس بالعربة فمكث فيه وترهب ولبس الزى الرهبانى ، وأجهد نفسه فى العبادة . ولما نجح فى الفضيلة والحياة النسكية والطهارة والتواضع إختاره الآباء الرهبان قساً .
فأخذوه رغم إرادته وقاموا به إلى مصر ورسم قساً على دير القديس العظيم الأنبا بولا أول السواح ، هو وكهنة آخرون من يد البابا يوأنس الطوخى البطريرك (103) ، فى بيعة السيدة العذراء بحارة الروم . فزاد فى الفضيلة وشاع ذكره بين الناس.
ولما تنيح البابا يوأنس المذكور ، وخلا الكرسى بعده مدة شهرين وستة أيام ، لبثوا يبحثون عمن يصلح لهذه الرتبة الجليلة فإختاروا بعض الكهنة والرهبان ، وكتبوا أسماءهم فى وريقات وضعوها على المذبح وأقاموا القداس . وفى ثالث يوم وقعت القرعة على هذا الأب بعد الطلبة والتضرع إلى الله أن يقيم لهم المختار من عنده فتحققوا بذلك أنه مختار من الله . ورسم بطريكاً على الكرسى المرقسى فى يوم الأحد 17 مسرى سنة 1434 ش (21 أغسطس سنة 1718 م) فى بيعة القديس مرقوريوس أبى سيفين بمصر القديمة ، وكان فرح عظيم بإقامته . وحضر رسامته الشعب المسيحى وبعض من الإفرنج والروم والأرمن و طائفة من العسكر .
ثم بعد ذلك مضى إلى بلاد الوجه البحرى وإفتقد الكنائس ، ووصل إلى الإسكندرية لزيارة بيعة مارمرقس الإنجيلى لها فى 11 برمودة سنة 1438 ش وإهتم هناك بإصلاحات معمارية داخل الكنيسة ، وقبل الرأس الطاهرة . ولما أراد الرجوع علم أن جماعة بالإسكندرية تكلموا على الرأس المقدسة فأخفاها فى الدير من ذلك الوقت . ثم قدم قنديلاً من الفضة هدية وأسرجه على قبر البشير ، كما أحاطه بحجاب له طاقات تطل على الداخل ، ومضى إلى الوجهين البحرى والقبلى وفرح به أهل كورة مصر.
وفى أيام هذا البابا حضر جماعة من الكهنة والشمامسة من قبل سلطان أثيوبيا ، ومعهم هدايا فاخرة مع مرسوم من الملك ، يطلب مطراناً فتشاور فى الأمر مع المعلم لطف الله أبو سيف كبير أراخنة الشعب على أبينا المكرم خريستوذلو أسقف القدس الشريف فأمسكوه ورسموه مطراناً ، لأنه كان خبيراً كاملاً ومعلماً علماً وحبراً فاضلاً ، فمضوا به فرحين مسرورين . ودعى خرستوذولو الثالث وتولى هذه الأبرشية من سنة 1720 م إلى 1742 م ورسم الأنبا أثناسيوس أسقفاً على أورشليم . وقد شيدت فى مدة رئاسة هذا البابا كنائس كثيرة وكرست يبيده المباركة ، ومن بينها كنيسة .دير العدوية على البحر جهة المعادى ، التى جددها المعلم مرقورة الشهير بديك أبيض . وكنيسة الملاك ميخائيل القبلى بجهة بابلون وكنيسة مارمينا العجايبى بفم الخليج بمصر . عَمّرها الثرى الشهير والأرخن الكبير المعلم لطف الله يوسف من جيبه الخاص . وبسبب هذا التجديد غرمه الوزير أربعين كيساً من المال ، دفعها له من ماله . كما قام هذا المحسن الكريم ببناء كنيسة آبائنا الرسل و كرسها مع كنيسة أنبا مرقس بالدير المذكور ، لأنه كان مملوءاً غيرة وإهتماماً بشئون أمته وكنيسته القبطية . وقام أيضا بتحمل مصاريف حفلة إقامة تنصيب البطريرك علة نفقته الخاصة.
وإنقضت أيام هذا البابا فى هدوء وإطمئنان . وكان يعمل على تنفيذ قوانين الكنيسة ، فأبطل الطلاق لأى سبب ، ومضى لهذا الغرض إلى الوالى إبن إيواز وباحث علماء الإسلام فكتبوا له فتاوى وفرمانا من الوزير بأن عدم الطلاق لا يسرى إلا على الدين المسيحى دون غيره ، وأنه ليس لأحد أن يعارضه فى أحكامه . فأمر الكهنة أن لا يعقدوا زواجاً إلا على يده فى قلايته ، بعدما إعترض رجل إبن قسيس ، كان طلق إمرأته وتزوج غيرها بدون علمه . فأمر بإحضاره فيفصل بينهما فأبى ولم يحضر ، فحرمه هو وزوجته وأبيه القمص . فمات هذا الرجل بعد أن تهرأ فمه وذاب لسانه وسقطت أسنانه . أما أباه فإستغفر وأخذ الحل من البابا ومات .
ورعى هذا البابا رعية المسيح رعاية صالحة . ولما أكمل سعيه مرض قليلاً وتنيح فى يوم 26 برمهات سنة 1442 ش فى الصوم الكبير ، ووضع جسده فى مقبرة البطاركة ببيعة مرقوريوس أبى سيفين بمصر القديمة . وأقام على الكرسى مدة 7 سنين و 7 أشهر و 11يوماً . وكان محسناً كريماً ، رحوماً بشعبه متشبهاً بسلفه . وكان عمره ستة وأربعين سنة تقريباً . وعاصر السلطان أحمد الثالث العثمانى . وخلا الكرسى بعده تسعة أشهر وأحد عشر يوماً .
وفى سنة نياحة هذا البابا وقع وباء الطاعون فى البلاد مع قحط شديد . وتنيح قسوس كثيرون وأساقفة . ووقع الموت على الناس من الإسكندرية إلى أسوان. وإضطر الناس إلى ترك الزرع حتى صاروا يدفنون فى الحصر من قلة الأكفان . وفى تلك السنة تلفت زراعة القمح فى وادى النيل ولم يسد حاجة البلاد ، ووقع القحط والغلاء. لطف الله بعباده ، ونفعنا ببركات وصلوات المثلث الرحمة البابا البطريرك بطرس الأسيوطى .
بركة صلواته فلتكن معنا. و لربنا المجد دائماً أبدياً آمين.