اليوم السابع والعشرون من شهر برمهات المبارك
1- تذكار صلب ربنا يسوع المسيح
2- نياحة القديس مقاريوس الكبير
3- إستشهاد القديس دوميكيوس
1- فى هذا اليوم تذكار صلب ربنا يسوع المسيح له المجد بالجسد من أجل خلاص العالم. وقد ذكر الكتاب المقدس أنه حدث ظلمة عظيمة عن وجه الأرض كلها من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة ، إذ أخفت الشمس شعاعها عندما رأت خالقها محتجباً بالجسد المرئى ، ومعلقاً بإرادته على خشبة الصليب . وقد أمال الرأس وأسلم الروح .
وتعلمنا الكنيسة المقدسة أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين وأنه نزل إلى الجحيم من قبل الصليب ليخلص المعتقلين فيه . وعلى هذا قال بطرس الرسول :"مماتاً فى الجسد لكن محيي فى الروح . الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن " (1) [1] ففى السموات كان متعالياً وفى الأرض مخلصاً . سبحانه جلت قدرته ، لا يخلو منه مكان . الذى فدانا بذاته ، وفتح لنا باب ملكوته .
له المجد والقدرة والسلطان إلى الأبد . آمين.
2- وفى مثل هذا اليوم من سنة 8 ش (سنة 392ميلادية) تنيح الأب المغبوط ، سراج البرية ، أب جميع الرهبان القديس العظيم الأبنا مقاريوس. ولد هذا القديس فى شبشير من أعمال منوف من أبوين صالحين بارين ، وإسم أبيه القس إبراهيم ، ولم يكن له ولد ، فحدث فى إحدى الليالى أن أبصر فى رؤيا شخصاً من قبل الرب يقول له : إن الله سيرزقه ولداً ، يكون ذكره شائعاً فى أقطار الأرض . ويرزق بنيناً روحانيين.
وبعد زمن رزق هذا القديس ولداً فسماه مقارة أى الطوباوى وكان مطيعاً لوالديه ، وحلت عليه نعمة الله من صغره . ولما كبر زوجه والداه بغير إرادته فتظاهر بالمرض أياماً . ثم إستسمح أباه أن يمضى إلى البرية لتبديل الهاء فسمح له ، فمضى وصلى إلى الرب يسوع أن يساعده على عمل ما يرضيه ، فلما صار فى البرية أبصر رؤيا كأن كاروباً ذى أجنحة ثم أمسك بيده وأصعده على رأس الجبل وأراه كل البرية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً و قال له : إن الله قد أعطاك هذا الجبل ميراثاً لك ولبنيك من بعدك . ولما عاد من البرية وجد زوجته قد ماتت وهى بعد عذراء ، فشكر السيد المسيح كثيراً . وبعد ذلك مات أبواه فوزع كل ما خلفاه له على المساكين . ورأى أهل شبشير طهره وعفافه فأخذوه إلى أسقف أشمون فرسمه قساً عليهم ، وبنوا له موضعاً خارج البلد . وكانوا ياتون إليه ويتقربون منه . وعينوا له خادماً ليبيع له شغل يديه وقضاء ما يحتاج إليه.
ولما رأى الشيطان سموه فى الفضيلة جلب عليه تجربة شديدة وذلك أنه أوعز إلى فتاة كانت قد إرتكبت شراً مع شاب بأن تدعى أن القديس مقاريوس هو الذى أتى معها هذا الشر . فلما علم أهلها بذلك أهانوه وضربوه ضرباً موجعاً ، فتحمله وهو صامت . ولما داهم الطلق هذه الإمرأة لتلد لبثت أربعة أيام معذبة ولم تلد حتى إعترفت بكذبها على القديس وذكرت إسم الشاب الذى أغواها .
فلما رأى ذلك أهل الفتاة رجعوا إليه يستغفرونه عما حصل منهم له . فهرب منهم للإبتعاد عن مجد العالم . وكان له من العمر وقتئذ 30 عاماً وإذ فكر فى نفسه ألا يعود إلى قريته ظهر له ملاك الرب ، وسار معه يومين حتى وصلا إلى وادى النطرون ، ثم قال له القديس :"حدد لى يا سيدى مكاناً أسكن فيه " فأجابه :"لا لئلا تخرج عنه فيما بعد فتكون مخالفاً لقول الرب . بل البرية كلها لك ، فأى موضع أردت أسكن فيه ". فسكن فى البرية الداخلية حيث الموضع الذى فيه دير القديسين مكسيموس ودوماديوس ، وهو المعروف الآن بإسم دير البرموس. ولما ذهب لزيارة القديس أنطونيوس قال عنه حينما رآه :"هذا إسرائيلى حقاً لا غش فيه". ثم ألبسه الإسكيم المقدس وعاد مكانه . ولما تكاثر عنده الأخوة بنى لهم كنيسة حسنة . وذاع صيته وسمع الملوك بكثرة العجائب التى كان يعملها . وظهر له ملاك الرب وأتى به إلى رأس الجبل ، عند البحيرة الغربية المالحة الماء ، وأعلمه أن يتخذ له هذا المكان مسكناً وبنى له قلاية وكنيسة ، لأن شعباً كثيراً سيجىء إليه (1) [2].
وظن يوماً أن العالم خلا من الناس الأتقياء . فجاءه صوت من السماء قائلاً : " إعلم أن هناك إمرأتين فى مدينة الإسكندرية تخافان الرب . فتناول عصاه وزاده
وقصد إلى الإسكندرية وسأل حتى وصل إلى منزلهما. فلما دخل رحبتا به وغسلتا قدميه بماء دافىء . ولما سألهما عن سيرتهما قالت له أحداهما : لم تكن بيننا قرابة جسدية . ولما تزوجتا هذين الأخوين طلبنا منهما أن يتركانا نترهب ، فلم يسمحا لنا . فعاهدنا أنفسنا أن نقضى حياتنا بالصوم إلى المساء والصلاة الكثيرة ، وقد رزقت كل منا بولد ، متى بكى أحدهما تحتضنه الأخرى وترضعه حتى وإن لم يكن ولدها . ونحن فى عيشة واحدة . وحدة الرأى رائدنا . والإتحاد غايتنا ، وعمل زوجينا رعاية الغنم . ونحن فقراء نكتفى بقوت يومنا ، وما يتبقى نوزعه على الفقراء والمساكين". فحينما سمع القديس هذا الكلام هتف قائلاً : " حقاً الله ينظر إلى إستعداد القلوب ،
ويمنح روحه القدوس لجميع الذين يريدون أن يعبدوه ". فودعهما وانصرف راجعاً إلى البرية.
وكان فى أوسيم راهب أضل قوماً بقوله أنه لا قيامة للأموات فحضر أسقف أوسيم إلى القديس مقاريوس وشكا إليه أمر هذا الراهب ن فذهب إليه ولم يزل به حتى أرجعه عن ضلاله .
وفى يوم نياحته رأى القديسين أنطونيوس وباخوميوس وجماعة من القديسين والملائكة وأسلم الروح بالغاً من العمر سبعاً وتسعين سنة.
وكان قد أوصى تلاميذه أن يخفوا جسده . ولكن قوماً من شبشير أتوا وسرقوا جسده وبنوا له كنيسة ووضعوه بها حوالى مائة وستين سنة إلى أيام مملكة العرب ، وبناء القلالى حيث أرجعوه إلى ديره . وقد ورد فى مخطوط بشبين الكوم أن القديس ببنودة تلميذه رأى نفس الصديق عند صعوده إلى السماء ، والشياطين يصيحون خلفه قائلين :" قد غلبتنا يا مقاريوس " فاجابهم :"لم أغلبكم بعد" . فلما وصل باب السماء صاحوا ثانية : " قد غلبتنا". فرد عليهم كالأول . ولما دخل باب السماء صاحوا: "قد غلبتنا يا مقاريوس " فقال لهم :"تبارك الرب يسوع المسيح الذى خلصنى من أيديكم ".
بركة صلواته فلتكن معنا آمين.
3- وفى مثل هذا اليوم إستشهد القديس دوميكيوس . ومن أمره أنه فى أيام الإمبراطور يوليانوس الكافر إنقض عليه شابور أرساكيس الثانى ملك الفرس ، الذى كان مسالماً للدولة الرومانية ، وكان يدفع الجزية للإمبراطور قسطنطين حبيب الله ، وأعد جيشاً لمحاربة الرومان . وفى ذلك الحين نال القديس دوميكيوس إكليل الشهادة ، لأنه بعد أن قدم يوليانوس الذبائح لأوثانه فى مدينة كاسيوس التى تبعد عن أنطاكية ستة أميال حيث يوجد الصنم أبوللون ، توجه عدو الله مصحوباً بالعرافين والسحرة وزحف الجيش الرومانى لمقابلة الفرس . وعند مروره على مكان منعزل شاهد جمهوراً كثيراً بصلوات القديس دوميكيوس خادم الله.
فلما سأل عن هذه الجماهير أجابوه قائلين : " أن راهبا ً يصنع المعجزات
ويشفلا المرضى ، وأن الجماهير التى تراها هم جموع المسيحيين الذين أتوا لينالوا بركته ويشفوا من أسقامهم". فإستشاط يوليانوس غضباً ، وأرسل إلى القديس دوميكيوس جندياً يخاطبه بلغة التهديد قائلاً : " إذا كنت تقيم فى هذه المغارة لتنال رضا الله فلماذا تتوخى رضا الناس ؟ و لماذا لا تختفى عنهم . فأجابه القديس قائلاً :"لقد سلمت نفسى وجسدى فى يد الله إله السموات والأرض الرب يسوع المسيح ، وقضيت عدة سنين معتزلاً فى هذه المغارة . أما هؤلاء الجماهير الذين يأتون عندى بإيمان قوى فلا أستطيع أن أطردهم ". فلما سمع الإمبراطور إجابته هذه أمر جنوده أن يسدوا باب المغارة بالبناء . وكان القديس داخلها حيث أسلم الروح فيها .
وهكذا ختم هذا القديس الطاهر حياته ونال إكليل الشهادة الذى لا يفتى فى يوم 27 برمهات سنة 78 ش (23 مارس سنة 362 م ) .
بركة صلواته فلتكن معنا. ولربنا المجد دائماً أبدياً آمين.
[1] (1) 1 بط 3 : 18 و 19
[2] (1) و هو المعروف الآن بدير القديس مقاريوس