السنكسار

اليوم السابع عشر من شهر طوبه المبارك
1ـ نياحة القديسين العظيمين مكسيموس ودوماديوس.
2ـ نياحة الأنبا يوساب أسقف جرجا المعروف بالأبحّ.

1ـ في هذا اليوم تذكار القديسين الجليلين مكسيموس وأخيه دوماديوس. وكان أبوهما والندينيانوس ملك الروم رجلاً خائف اللـه قويم المعتقد، فرزقهُ هذين القديسين. وكانا منذُ صغرهما مثل الملائكة في الطُّهر والقداسة، مُلازمين الصلاة ومُطالعة الكتب المقدسة.
ولمَّا تحقق لهمُا زوال هذا العالم وكل مجده، قررا تركه وعزما على العيشة الرهبانيَّة. فطلبا من أبيهما أن يسمح لهما بالذهاب إلى مدينة نيقية، ليُصلِّيا في مكان اجتماع المجمع المقدس المسكوني الأول، الذي انعقد سنة 325م، ففرح أبوهما وأرسل معهما حاشية من الجند والخدم كعادة أولاد الملوك.
ولمَّا وصلا أمرا الجند أن يرجعوا إلى أبيهما ويقولوا له: إنهما يُريدان أن يمكثا هناك أياماً. ثم كشفا أفكارهما لأحد الرهبان القديسين من أنهما يريدان لباس الاسكيم المقدس. فلم يوافقهما على ذلك خوفاً من أبيهما، وأشار عليهما أن يذهبا إلى الشام حيث يُقيم الرجل القديس الأنبا أغابيوس، فذهبا إليه وظلا عنده حتى تنيَّح. وكان قبل نياحته قد ألبسهما شكل الرهبنة، وعرَّفهما بأنه رأى في رؤيا الليل القديس مقاريوس وهو يقول له:
أوصِ ولديك أن يأتيا إليَّ بعد نياحتك ويصيرا لي بنيناً. ثم قال لهما: إنني كنت أشتهي أن أنظر هذا القديس بالجسد، ولكنني قد رأيته بالروح. فبعد نياحتي امضيا إليه بسلام.
وقد أنعم اللـه عليهما بموهبة شفاء المرضى، وشاع ذكرهما في تلك البلاد وخصوصاً بين التجار والمسافرين، وتعلَّما صناعة شراع ( قلوع ) السفن. فكانا يقتاتان بثمن ما يبيعان منها، ويتصدَّقان على الفقراء والمساكين بما يفضل عنهما.
وذات يوم رأى أحد حُجَّاب أبيهما شراع إحدى السفن مكتوباً عليه " مكسيموس ودوماديوس " فاستفسر من صاحب السفينة فقال له: هذا اسم أخوين راهبين، كتبته على سفينتي تبرُّكاً، لكي يُنجِح اللـه تجارتي. ثم أوضح له أوصافهما بقوله: أن أحدهما قد تكاملت لحيته والآخر لم يلتحِ بعدُ، فعرفهما الحاجب وأخذ الرجل وأحضره أمام الملك. ولمَّا تحقق منه الأمر أرسل إليهما والدتهما والأميرة أختهما. فلمَّا تقابلتا بالقديسين وعرفتاهما بكتا كثيراً. ورغبت أُمُّهما أن يعودا معها فلم يقبلا، وطيَّبا قلب والدتهما وأختهما.
وبعد ذلك بقليل تنيَّح بطريرك رومية، فتذكروا القديس مكسيموس ليقيموه بدلاً عنه. ففرح والده بذلك. ولمَّا وصل هذا الخبر إلى القديس مكسيموس وأخيه، تذكرا وصية أبيهما الأنبا أغابيوس، فغيَّر الاثنان شكلهما، وقصدا طريق البحر الأبيض. وكانا إذا عطشا يبدل اللـه لهما الماء المالح بماء عذب، وتعبا كثيراً من السير حتى أدمت أرجلهما. فناما على الجبل وقد أعياهما التعب، فأرسل اللـه لهما قوَّة حملتهما إلى بريَّة الإسقيط، حيث القديس مقاريوس، وعرَّفاه أنهما يريدان السُّكنى عنده. ولمَّا رآهما من ذوي التنعم، ظنَّ أنـهما لا يسـتـطيعان الإقامة في البريَّة لـشـظف العيشة فيها. فأجاباه قائلين: إن كنا لا نقدر يا أبانا فإننا نعود إلى حيث جئنا. فعلَّمهما ضفر الخوص ثم عاونهما في بناء مغارة لهما، وعرَّفهما بمَن يبيع لهما عمل أيديهما ويأتيهما بالخبز.
فأقاما على هذه الحال ثلاث سنوات، ولم يجتمعا بأحدٍ، وكانا يدخلا الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية وهما صامتين، فتعجب القديس مقاريوس لانقطاعهما عنه كل هذه المدة، وصلَّى طالباً من اللـه أن يكشف له أمرهما وجاء إلى مغارتهما حيث بات تلك الليلة، فلمَّا استيقظ في نصف الليل كعادته للصلاة رأى القدِّيسين قائمين يُصلِّيان، وشعاع من النور صاعداً من فَمِـهِمَا إلى السماء، والشياطين حولهما مثل الذباب، وملاك الرب يطردهم عنهما بسيف من نار. فلمَّا كان الغد ألبسهما الاسكيم المقدس وانصرف قائلاً: صلِّيا عني فضربا له مطانية وهما صامتين.
ولما أكملا سعيهما وأراد الرب أن ينقلهما من أحزان هذا العالم الزائل. مرض القديس مكسيموس فأرسل إلى القديس مقاريوس يرجوه الحضور، فلمَّا أتى إليه وجده محموماً فعزَّاه وطيَّب قلبه. وتطلَّع القديس مقاريوس وإذا جماعة من الأنبياء والقديسين ويوحنا المعمدان وقسطنطين الملك جميعهم قائمين حول القديس إلى أن أسلَم روحه الطَّاهرة بمجد وكرامة. فبكى القديس مقاريوس وقال: طوباك يا مكسيموس.
أمَّا القديس دوماديوس فكان يبكي بكاءً مراً، وسأل القديس مقاريوس أن يطلب عنه إلى السيد المسيح لكي يُلحِقه بأخيه وبعد ثلاثة أيام مرض هو أيضاً، وعَلِم القديس مقاريوس فذهب إليه لزيارته، وفيما هو في طريقه رأى جماعة القديسين الذين كانوا قد حملوا نفس أخيه، حاملين نفس القديس دوماديوس وصاعدين بها إلى السماء. فلمَّا آتى إلى المغارة وجده قد تنيَّح، فوضعه مع أخيه الذي كانت نياحته قي الرابع عشر من هذا الشهر. وأمر أن يُدعَى الدير على اسمهما فدُعيَ دير البرَموس نسبة إليهما، وهكذا يُدعَى إلى اليوم.
صلاتهما تكون معنا. آمين.

2ـ وفي هذا اليوم أيضاً من سنة 1826م تنيَّح الأب العالم الجليل الأنبا يوساب، أسقف جرجا وأخميم المعروف بالأبحّ. وقد وُلِدَ ببلدة النخيلة من أبويين غنيين مُحبّين للفقراء.
ولمَّا بلغ من العمر 25 عاماً أراد والداه أن يزوجاه فلم يقبل، ولميله إلى الحياة الرهبانية قصد عزبة دير القديس أنطونيوس ببلدة بوش، وأقام هناك مدة ظهر فيها تواضعه وتقواه، الأمر الذي جعل رئيس الدير يوافق على إرساله إلى الدير، ولمَّا وصل استقبله الرهبان فرحين نظرا لما سمعوه عنه من الفضيلة التي تحلى بها، وعن كثرة بحثه وتأملاته في الأسفار المقدسة، وبعد قليل ألبسوه ثياب الرهبنة.
ولما وصل خبره إلى الأب البطريرك الأنبا يوحنا السابع بعد المائة، استدعاه وأبقاه لديه، وإذ تحقق ما كان يسمعه عنه من التقوى والعلم، دعا الآباء الأساقفة وتشاوروا معهم على إقامته أسقفاً على كرسي جرجا. أمَّا هو فاعتذر عن قبول هذا المنصب لكثرة أعبائه، فرسموه رغماً عنه.
ولمَّا وصل إلى مقر كرسيه، وجد شعبه قد اختلط به الهراطقه، فسعى في لم شعبه، وبنى له كنيسة، واجتهد في تعليمه، وردّ الضَّالين، وهداية كثيرين من الهراطقة. ووضع عدة مقالات عن تجسد السيد المسيح، وفسرَّ كثيراً من المعضلات الدينية، والآيات الكتابية، وحثّ شعبه على إبطال العادات المُستهجنة، التي كانت تُجرى أثناء الصلاة في الكنيسة وخارجها كما أفلح في إبطال المُشاجرات والمُخاصمات التي كانت تحدث من المُعاندين للحقِّ.
وكان رحوماً على الفقراء، ولم يكن يأخذ بالوجوه. ولم يُحابِ في القضاء، ولم يقبل رشوة. أمَّا ما كان يتبقى لديه فكان يُرسِله إلى الإخوة الرُّهبان بالأديرة. ولم يكن يملك شيئاً إلاَّ ما يكسو بهِ جسده، وما يكفي لحاجته. ولم ينطق بغير الحقّ، ولم يخشَ بأس حاكم، ورعى شعبه أحسن رعاية.
ولمَّا أراد اللـه انتقاله من هذا العالم، مرض عدة أيام، قضى بعضها بكرسيه والبعض الآخر بقلاية الآب البطريرك الأنبا بطرس التاسع بعد المائة. ثم توجَّه إلى ديرهُ بالبرية، ففرح به الرهبان وهناك انتهت حياته المُباركة، وأسلَم روحه الطاهرة بيد الرب الذي أحبه. وكانت مدة حياته إحدى وتسعين سنة. منها خمس وعشرون قبل الرهبنة. وإحدى وثلاثون بالدير، وخمس وثلاثون بكرسي الأسقفية.

صلاته تكون معنا. وربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.

لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. - أفسس 2: 8, 9