السنكسار

اليوم الثاني والعشرون من شهر طوبه المبارك
نياحة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس.

في هذا اليوم من سنة 355م تنيَّح القديس العظيم كوكب البرِّيَّة، وأب جميع الرهبان، الأنبا أنطونيوس. وقد وُلِدَ هذا البار في سنة 251م في بلد قمن(1) من والدين غنيين مُحبين للكنائس والفقراء، فربياه في مخافة اللـه.
ولمَّا بلغ عمره عشرين سنة، مات أبواه فكان عليه أن يعتني بأُخته. وحدث أنه دخل الكنيسة ذات يوم فسمع قول السيد المسيح " إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لكَ كنزٌ في السماء وتعال اتبعني" (2). فعاد إلى بيته مُصمماً على تنفيذ هذا القول واعتبره موجَّهاً إليه، فأخذ في توزيع أمواله على الفقراء والمساكين، وسلَّم أُخته للعذارى، ولم يكن نظام الرهبنة قد ظهر بعد، بل كان كل من أراد الوحدة يتخذ لهُ مكاناً خارج المدينة. وهكذا فعل القديس العظيم أنطونيوس. حيث اعتزل للنُسك والعبادة وكان الشيطان يُحاربهُ هناك بالملل والكسل وخيالات النِّساء وكان يتغلب على هذا كله بقوة السيد المسيح، وبعد هذا مضي إلى أحد القبور وأقام فيه وأغلق بابه عليه. وكان بعض أصدقاءه يأتون إليهِ بما يقتات به. فلمَّا رأى الشيطان نُسكه وعبادته الحارة، حسده وهجم عليه وضربه ضـرباً موجعاً وتركهُ طريحاً. فلمَّا أتى أصدقـاؤه يفتقدونه، وجـدوه على هذا الحال فحملوه إلى الكنيسة، وإذ وجد نفسهُ تماثل إلى الشفاء قليلاً عاد إلى مكانه الأول. فعاود الشيطان محاربته بأشكال متنوعة في صورة وحوش وذئاب وأسود وثعابين وعقارب، وكان يُصوِّر له أن كلاً منها يهم ليمزقه. أمَّا القديس فكان يهزأ بهم قائلاً: " لو كان لكم عليَّ سلطان لكان واحد منكم يكفي لمُحاربتي ". وعند ذلك كانوا يتوارون من قدامه كالدخان، إذ أعطاه الرب الغلبة على الشياطين. وكان يترنم بهذا المزمور: " يقوم اللـه. يتبدد أعداؤه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه " (1) . وكان يُعِد لنفسه من الخبز ما يكفيه ستة أشهر كاملة. ولم يسمح لأحدٍ بالدخول، بل كان يقف خارجاً ويستمع لنصائحه. وقد استمر القديس على هذا الحال عشرين سنة وهو يتعبد بنسك عظيم. ثم مضى بأمر الرب إلى الفيوم وثبَّت الإخوة الذين كانوا هناك ثم عاد إلى ديره.
وفي زمن الاستشهاد تاق أن يصير شهيداً، فترك ديرهُ ومضى إلى الإسكندرية وكان يفتقد المسجونين على اسم المسيح ويُعزِّيهم، فلمَّا رأى منه الحاكم المُجاهرة بالسيد المسيح وعدم المُبالاة أمر أن لا يظهر بالمدينة مُطلقاً. ولكن القديس لم يعبأ بالتهديد، وكان يواجهه ويحاجه، لعلَّهُ يسوقه للعذاب والاستشهاد ولكن لأنَّ الرب حفظه لمنفعة كثيرين فقد تركه الحاكم وشأنه. وبتدبير من اللـه رجع القديس إلى ديره، وكثر الذين يترددون عليه ويسمعون تعاليمه. ورأى أن ذلك يشغله عن العبادة. فأخذ يتوغل في الصحراء الشرقية، ومضى مع قوم أعراب إلى داخل البريَّة على مسيرة ثلاثة أيام، حيث وجد عين ماء وبعض النخيل. فاختار ذلك الموضع وأقام فيه، وكان العرب يأتون إليه بالخبـز، وكان بالبـريـة وحـوش كثيرة طردها الرب من هناك من أجله. وفي بعض الأيام كان يذهب إلى الدير الخارجي ويفتقد الإخوة الذين هناك ثم يعود إلى الدير الداخلي.
وبلغ صيته إلى الملك قسطنطين المُحب للإله، فكتب إليه يمتدحه، ويطلب منه أن يُصلِّي عنه. ففرح الإخوة بكتاب الملك، أمَّا هو فلم يحفل به وقال لهم: هوذا كُتب الله ملك الملوك ورب الأرباب توصينا كل يوم ونحن لا نلتفت إليها. بل نعرض عنها، وبإلحاح الإخوة عليه قائلين: إن الملك قسطنطين مُحب للكنيسة قَبِلَ أن يكتب له خطاباً بارَكه فيه، طالباً سلام المملكة والكنيسة.
واعتراه الملل ذات يومٍ فسمع صوتاً يقول له: اخرج خارجاً وانظر. فخرج ورأى ملاكاً متوشحاً بزنار صليب مثال الإسكيم المُقدس، وعلى رأسه قلنسوة وهو جالساً يضفر، ثم يقوم ليُصلِّي، ثم يجلس ليُضفِّر أيضاً. وأتاه صوت يقول له: يا أنطونيوس افعل هكذا وأنت تستريح. فاتخذ لنفسه هذا الزي من ذلك الوقت وصار يعمل الضفيرة ولم يعد إليه الملل.
وتنبأ عن الاضطهاد الذي سيحل بالكنيسة وتسلُّط الهراطقة عليها ثم إعادتها إلى حالتها الأولى، وعلى انقضاء الزمان.
ولمَّا زاره القديس مقاريوس ألبسه زي الرهبنة وأنبأه بما سيكون منه.
ولمَّا دنت أيام وفاة القديس الأنبا بولا أول السواح، مضى إليه القديس أنطونيوس، واهتم به وكفَّنه بحُلَّة أهداها إليه القديس أثناسيوس الرسولي البابا العشرون. ولمَّا شعر القديس أنطونيوس بقرب نياحته، أمر أولاده أن يخفوا جسده وأن يعطوا عكازه لمقاريوس، والفروة لأثناسيوس، والملوطه الجلد لسرابيون تلميذه. ثم رقد مُمدداً على الأرض وأسلَم الرُّوح فتلقتها صفوف الملائكة والقديسين وحملتها إلى موضع النياح الدائم وقد عاش هذا القديس مائة وخمس سنوات، مُجاهداً في سبيل القداسة والطُّهر.

صلاته تكون معنا. ولربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.

(1) قمن العروس، مركز الواسطى. (2) مت 19 : 21.
(1) مزمور 68 : 1.

«اسْأَلُوا تُعْطَوْا. اطْلُبُوا تَجِدُوا. اقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. - متى 7: 7